ومن ذلك الاهتمام بهذا الكتاب المبارك: ما وضعه الإمام أبو الحسين القُدُوري (ت ٤٨٠ هـ) في شرحه النافع الواسع الجليل، الذي ذاع صيته في الآفاق وقدّمه أئمة المذهب على سائر الكتب حيث أبدع الشارح القدوري في تصنيف الشرح أيّما إبداع؛ فقد توسع ﵀ في شرح المختصر توسعًا بالغًا فائقًا، وما ترك في شرح مسائل الكتاب أيَّ مسلك ومنحي يمكنه التطرق والتحدث فيه إلا سلكه وسار فيه، ولو كان الربط بإشارة بعيدة، فأفاض فيه وتحدث عن المسألة مفصِّلًا موضِّحًا لها من جميع جوانبها، ثم الاستدراك على المتن بمسائل لم يذكرها، حتى يتم الموضوع من كل جوانبه، إلا أن الشارح ﵀ لم يفرق ويفصل بين المتن وشرحه، كعادة بعض الشراح، لمعرفة الأصل من الشرح، ولم أستطع أيضًا العثور على نسخة المتن مستقلًا حتى يتضح الفرق.
كما أنه إذا بدأ بالجانب اللغوي يستقصي مذاهب وأقوال اللغويين في الموضوع، ويذكره بإيجاز؛ مستشهدًا ببعض الشواهد المؤيدة لقوله، وهكذا إذا استدل بآية، نجده يتتبع أقوال المفسرين وآراءهم في الآية، وليس بالنقل والاقتباس فقط - مع كونه أمينًا في عزو الأقوال لأهلها -، بل نجده مناقشًا ناقدًا لأقوال المفسرين، ثم يرجح ما يراه مؤيدًا بأدلة وعلل وقرائن وأشباه ونظائر.
وأما الجانب الفقهي فهو أساس هذا الكتاب النافع الكبير، وقد تفنن المؤلف ﵀ في شرح (مختصر الكرخي)، ففصل كل قول موجز بشرح مسهب مطول، مع بيان جميع جوانب المسألة، فيبدأ ببيان التعريف اللغوي، ثم يوضح أصل المسألة، ويثلث بذكر أركان المسألة وتوضيحها، مع الرد على الاعتراضات الواردة على بعض أجزائها إن كان ثَمَّة ذلك، ثم يتجه إلى بيان فصول الباب فصلًا