فعلى هذا التأويل: الحد الأول صحيح لا يحتاج فيه إلى الاستثناء، وإنما جازت الكفالة في جميع ما ذكر؛ لأن الحضور مستحق عليه للخصومة في جميع ذلك، والكفيل إنما يضمن الإحضار المستحق [عليه].
وإنما قال أبو حنيفة: إن القاضي لا يلتمس الكفالة بالحدود والقصاص؛ لأنها للتوثق، وهو مأمور بدرء الحدود وترك التوثق فيها، فإذا ابتدأ بذلك المطلوب [جازت] الكفالة.
ولا يقال: فقد قال أبو حنيفة: إنه يحبس، والتوثق بالحبس أعظم من التوثق بالكفالة؛ لأنه ليس يحبس للتوثق، وإنما يحبس للتهمة، ألا ترى أن الشهود قد أخبروا: أنه يفسد في الأرض، يقتل الناس، ويهتك الأعراض؟ والحبس في التهمة واجب.
وجه قولهما: أن الحضور مستحق لسماع البينة، فجازت الكفالة به [كالحضور](١) في الأموال.
فأما نفس الحد والقصاص، فلا تجوز الكفالة به في قولهم؛ لأن ذلك لا يمكن استيفاؤه من الكفيل، فلا تصح الكفالة به.
فأما التعزير فتجوز الكفالة به؛ بمعنى أنه يجوز للقاضي الابتداء بطلب ذلك؛ لأنه لا يؤمن بدرئه ولا بإسقاطه؛ ولأنه من حقوق الآدميين كالديون.
قال أبو الحسن بعد ذلك: وكذلك إن كفل رجل بنفس رجل، والطالب يدعي قِبَله دم عمد، أو قصاصًا فيما دون النفس، أو حدًّا في قذف أو سرقة،