قال: والفصل الثاني: إذا أقرَّ صاحب اليد بعد سماع البينة قبل التزكية، لم يجز إقراره؛ لأنه يبطل البينتين، ألا ترى أنه يقول إنّ المُقَرَّ له أقام البينة على ملك نفسه، فلا فائدة له في بينته، وأن الآخر أقام البينة على غير خصم، فلم يقبل قوله في إبطال البينتين، ولكنه يصدق في تحويل الخصومة إلى المقر له، ويصير المقر له كالوكيل له في الخصومة، فيدفع العبد إلى المقر له، ويصير هو الخصم، فإذا زكيت البينتان جميعًا قضي به بينهما نصفان، على مقتضى البينتين قبل الإقرار؛ إذ المقر لا يملك تغيير موجب البينة.
وهذا ظاهر على أصل أبي يوسف ومحمد: أن المُقِرَّ إذا كان بإقراره تقبل الخصومة، فكأنه وكل المقر له، وعندهما: أن توكيله يجوز بغير رضا خصمه.
وأمَّا على أصل أبي حنيفة: فلا يجوز التوكيل بغير رضاه، إلا أنه يقول: هاهنا خرج المقر من الخصومة، فلم يبق خصم المدعى عليه.
والفصل الثالث: إذا أَقَرَّ بعدما زكيت الشهود، ولم يذكر محمد هذا الفصل في الدعوى.
والجواب عنه: أن القاضي يقضي بالعبد بينهما، ولا تنتقل الخصومة؛ لأن البينتين إذا زكيتا في الدعوى فلم يبق خصومة، وإنما بقي إنفاذ الحكم بها.
وقد ذكر محمد في الدعوى هذه المسألة وقال: إذا أقر المدعى عليه بعد سماع البينة، أن أحدهما أودعه إياه سَلمه إليه، صَدّقه المقر له أو لم يصدقه، ومعنى ذلك أنه صدقه أنه أودعه أو لم يصدقه في الوديعة، ولكنه ادعى الملك، فأما إذا كذبه ولم يدّع الملك فيبطل.