للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

الكفر أو القتل، والضرورة تبيح إظهار الكفر على ما قدّمنا، ولا تبيح قتل المسلم، كان له أن يظهر الكفر الذي أُبيح له عند الإكراه إظهاره، ولا يُقدم على قتل المسلم الذي لم يبح له، فإذا أظهر كلمة الكفر فقد تناولها الإكراه، وقد بيّنا أنّ المكرَه على الكفر لا يُحكم بكفره، وأمّا إذا صبر حتى قُتل فهو مأجورٌ؛ لأنّه قصد إعزاز الدين والتمسّك به، وتَرَك الإقدام على قتل المسلم، وذلك أفضل من إظهار الكفر لما قدّمنا (١).

وقد روي أنّ مُسيلمة أخذ رجلين من أصحاب النبيّ ، قال لأحدهما: أتشهد أنّ محمدًا رسول الله؟ قال: نعم، فقال: أتشهد أنّي رسول الله؟ فقال: لا أدري ما تقول، فكرّر ذلك عليه ثمّ قتله، وقال للآخر: أتشهد أنّي رسول الله؟ قال: نعم، فقال: أتشهد أنّي رسول الله؟ فقال: نعم، فذكر ذلك للنبي ، فقال: " [أمّا] الأوّل فقد أوتي أجره مرّتين، وأمّا الثاني فلا إثم عليه" (٢).

وأمّا إذا قتل المسلمَ ولم يُظهر الكفرَ، فالقياس أن يُقتصّ منه؛ لأنّه كان يقدر على التخلّص من ضرر الإكراه بإظهار الكفر، ولا يأثم بذلك، ولا يستضرّ به، فلمّا عدل عنه إلى قتل المسلم صار مختارًا لقتله، فوجب عليه القصاص.

وأمّا الاستحسان: فلأنّ الشبهة موجودةٌ في هذا القتل إذا كان لا يعلم بإباحة إظهار الكفر؛ لأنّ النفوس تتلف لأجل الكفر، ألا ترى أنّا نقتل الكفار لإظهار (٣) الكفر، فيجوز أن يكون المكرَه استعظم [الكفر]، ورأى أنّ الدم أيسر منه، فعدل إليه، فصار ذلك شبهةً، وتمكّن الشبهة في القتل يسقط القصاص.


(١) انظر: الأصل ٧/ ٤١٧.
(٢) رواه ابن أبي شيبة (٦/ ٤٧٣) من حديث الحسن البصري مرسلًا.
(٣) في ب (لأجل إظهار).

<<  <  ج: ص:  >  >>