«المغازي» عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ قال: قال رجلٌ يوم حُنين: لن نُغلبَ اليوم من قلَّةٍ، فشقَّ ذلك على النَّبيِّ ﷺ فكانت الهزيمةُ.
قال في «فتوح الغيب»: وهذا مثل قوله تعالى: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٧٣] قوله: ﴿لَمْ يَخِرُّوا﴾ ليس نفيًا للخرورِ، وإنَّما هو إثباتٌ له ونفيٌ للصَّمم والعمى، كذلك:«لن نُغلب» ليس نفيًا للمغلوبيَّةِ، وإنَّما هو إثباتٌ لها ونفيٌ للقلَّة؛ يعني: متى غلبنا كان سببه غير القلَّة. هذا من حيث الظَّاهر ليس كلمة إعجابٍ، لكنَّها كنايةٌ عنها، فكأنَّه قال: ما أكثر عددنا، فذلك قوله تعالى:(﴿إِذْ﴾) بدل من «يوم»(﴿أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾) حصل لهم الإعجابُ بالكثرة، وزال عنهم أنَّ الله هو النَّاصر لا كثرة العدد والعُدَد (﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾)«ما» مصدرية، و «الباء» بمعنى: مع، أي: مع رَحبها، أي: لم تجدوا موضعًا لفراركُم من أعدائكُم، فكأنَّها ضاقتْ عليكم (﴿ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾) ثمَّ انهزمتُم (﴿ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ﴾) رحمتَهُ الَّتي سكنوا بها وأَمِنوا (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٧]) يسترُ كفر العدوِّ بالإسلامِ، وينصر المولى بعد الانهزامِ، فالكلامُ واردٌ موردَ الامتنان على الصَّحابة بنصرتهِ إيَّاهم في المواطنِ الكثيرةِ، وكانت النُّصرة في هذا اليوم المخصوص أجلَّ امتنانًا؛ لِمَا شُوهد منهم ما يُنافي النُّصرة من الإعجابِ بالكثرةِ، ولولا فضلُ الله وكرامته لرسولهِ ﷺ وللمؤمنين لتمَّت الدَّبْرة عليهم والنَّصر للأعداء. ألا ترى كيف أُقيم المُظْهَرُ مقامَ المُضْمر في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٢٦] ليؤذن بأنَّ وصف الرِّسالة والإيمان أهلٌ (١) للانتصارِ بعد الفرار والعفو عن الاغترارِ، وحذف في رواية أبي ذرٍّ قوله:«﴿فَلَمْ تُغْنِ﴾ … » إلى آخره. وقال:«إلى ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾».