للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وفى شهر جمادى الآخرة، فيه قدم البريد من حلب، وأخبر بوقوع فتنة عظيمة، وقعت بين نائب حلب، وبين التركمان، وقد توجّه إلى قتالهم عساكر حلب، وعساكر الشام، فوقع بين الفريقين مقتلة عظيمة، قتل فيها سبعة عشر أميرا، منهم: الأمير سودون العلاى، نائب حماة، وقتل من عسكر الشام وحلب ما لا يحصى عددهم، وانكسر بقيّة العسكر، وكانت حادثة مهولة (١) شنيعة.

وفيه كملت عمارة مدرسة السلطان، التى أنشأها بين القصرين، مكان خان الزكاة، فجاءت ليس لها نظير فى الحسن، ولا بنى فى القاهرة لها مثال فى الحسن والزخرفة.

فنزل السلطان من القلعة فى ذلك اليوم، وجلس بالمدرسة، وحضر قضاة القضاة الأربعة، ومشايخ العلم، وأعيان الفقهاء، وسائر الأمراء من كبير وصغير، ومدّ هناك سماط عظيم بأنواع الأطعمة الفاخرة، من الأوز والدجاج والخراف الرمسان، حتى لحوم الخيل والغزلان والنعام والأسماك، فأكل منهم السلطان والأمراء والقضاة والأعيان، وتناهب الناس بقيّة السماط، وكان أول السماط عند المحراب، وآخره عند فسقية المدرسة.

ثم مدّ بعده سماطا ثانيا، به مجامع حلوى ومشنّات فاكهة، وملأ فى ذلك اليوم الفسقية، التى فى صحن المدرسة، سكّرا بماء ليمون، وصارت الناس تملأ منه بالطاسات، فلا يمنعهم أحد من ذلك.

ثم إنّ السلطان أخلع فى ذلك اليوم على الشيخ علاء الدين السيرامى الحنفى، وكان قد استدعاه من بلاد العجم، فلما حضر أخلع عليه وأقرّه فى مشيخة المدرسة، وأضاف إليه تدريس الحنفية مع مشيخة الصوفية وقت الحضور.

وأخلع فى ذلك اليوم على الأمير جركس الخليلى، شاد العمارة، مثمرا، وأركبه على فرس بسرج ذهب وكنبوش ذهب؛ وعلى معلّم المعلّمين الشهابى أحمد بن الطولونى؛ وأخلع على المهندسين والبنّائين والمرخّمين والنجّارين؛ وأخلع على خمسة عشر مملوكا (٢)


(١) مهولة: مهولا
(٢) مملوكا: مملو.