فيها، فى صفر، توفّى سيدى أنوك بن السلطان الملك الناصر محمد، توفّى فى حياة والده؛ وكان أنوك هذا بديع الجمال، مليح الشكل، وكان الملك الناصر يحبّه دون أولاده، ومات وله من العمر نحو عشرين سنة؛ فحزن عليه السلطان حزنا شديدا، وتأسّف عليه، وقد رثاه الصلاح الصفدى بقوله فيه:
مضيت وكنت للدنيا جمالا … وجرعت النجوم الزهر فقدك
ومن عجب الليالى فيك أن لا … يموت أبوك يا أنوك بعدك
فكان الفال بالمنطق.
وفى هذه السنة تغيّر خاطر السلطان على المقرّ السيفى تنكز، نائب الشام، فأرسل إليه الأمير بشتاك الناصرى، والأمير يلبغا اليحياوى، وصحبتهم جماعة من المماليك السلطانية، وأرسل على أيديهما مراسيم شريفة لأمراء دمشق، بأن يكونوا لهم عونة على قبض الأمير تنكز، نائب الشام.
فلما وصلا إليه، قالا له:«إنّ السلطان رسم أن تحضر إلى القاهرة»، فقال تنكز:«أنا بالأمس كنت عند السلطان، فما يصنع بى الآن»؟ فقالا له:«إنّ السلطان يريد أن يزوّج ابنته بابنك»، فقال تنكز:«أنا لى شغل فى هذا الشهر، وقد عرمت للتوجّه إلى عربان نابلس لأصلح بينهم، ولكن امضوا انتموا إلى مصر، وأنا أحضر وولدى بعدكم».
فأغلظ عليه فى العبارة الأمير بشتاك الناصرى فى القول، ولم يسمع له، وأرسل كاتب السلطان، أنّ تنكز امتنع عن الحضور إلى الأبواب الشريفة، وأثخن جراحاته عند السلطان.
فلما سمع السلطان هذا الجواب ازداد حنقه على تنكز، وعيّن له تجريدة، صحبة (١) الأمير طاجار، الدوادار الكبير، بالقبض عليه؛ ولو أنّ تنكز حضر مع الأمير بشتاك، والأمير يلبغا، إلى عند السلطان، ما كان يحصل له إلا كل خير، ولكن ضلّ رأيه عن الصواب.