للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

خلفها، فلما حضرت قام إليها وعظّمها، وأخلع عليها كاملية مخمل تماسيح بصمّور، وأكرمها غاية الإكرام، ونزلت إلى دارها وهى معظّمة، انتهى ذلك.

[ثم دخلت سنة خمس وسبعين وثمانمائة]

فيها فى المحرم كانت الأسعار مغلية فى جميع أصناف المأكولات من الحبوب وغيرها، وعزّ وجود الأوز والدجاج من مصر جدا، وتشحّط الخبز من الأسواق، وصار الناس يستعملون خبز الذرة والدخن؛ وهذا قط ما وقع ولا فى الغلاء الذى جاء فى دولة الملك الظاهر جقمق، وتناهى سعر القمح إلى سبعة أشرفية كل أردب، ولم يأكلوا الناس الذرة ولا الدخن فى تلك الأيام.

وفى أوائل هذه السنة كثر القال والقيل بين العلماء بالقاهرة فى أمر الشيخ العارف بالله تعالى سيدى عمر بن الفارض، نفع الله الناس ببركته، وقد تعصّب عليه جماعة من العلماء بسبب أبيات قالها فى قصيدته التائية، فاعترضوا عليه فى ذلك، وصرّحوا بفسقه، بل وتكفيره، ونسبوه إلى من يقول بالحلول والاتحاد، وحاشاه من ذلك أن ينسب إليه هذا المعنى، ولكن قصرت أفهام جماعة من علماء هذا العصر، ولم يفهموا معنى قول الشيخ عمر فيما قصده من هذه الأبيات، فأخذوا بظاهرها ولم يوجهوا لها معنى، فكان كما قال المتنبى:

وكم من عائب قولا صحيحا … وآفته من الفهم السقيم

ولكن تأخذ الأذهان منه … على قدر القرائح والفهوم

فكان رأس من تعصّب على الشيخ عمر بن الفارض: برهان الدين البقاعى، وقاضى القضاة محب الدين بن الشحنة، وولده عبد البر، وقاضى القضاة عز الدين الحنبلى، ونور الدين المحلى، وتبعهم جماعة كثيرة من طلبة العلم يقولون بفسقه؛ وأما من تعصّب لابن الفارض من العلماء وهم: الشيخ محيى الدين الكافيجى الحنفى، والشيخ قاسم الحنفى، والشيخ بدر الدين بن الغرس، ونجم الدين بن يحيى بن حجى، وشيخنا جلال الدين الأسيوطى، والشيخ زكريا، وتاج الدين بن شرف.