للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

كقطعتين دما حاكت بحمرتها … كأنما هدبها فى جفنها نحرت

وفى هذه السنة انقطع البلسان من مصر، وهو البلسم، وكان من آثار نبى الله عيسى ، وكانت الفرنج يجيئون (١) من أقصى البلاد حتى يشتروا من دهن هذا البلسم، ويتغالون فى ثمنه، وقد أحضر حبّ البلسان البرّى من الحجاز، وزرعوه بأرض المطرية وعالجوه، فلم ينتج ولم ينبت، وانقطع من مصر بالكلية كأنه لم يكن قط بعين شمس، وهو أجلّ نبات بها، وهذا لم يتفّق قط، بل كان قبل ظهور الإسلام بمدة طويلة، وكان ذكى الرائحة أشبه شبها بورق الملوخية، وكان دهنه ينفع للأمراض الباردة كوجع الظهر والركب وغير ذلك من الأعراض البلغمية، وكان يستخرج دهن هذا البلسم فى رابع عشرين بشنس القبطى، وكان فى الزمن القديم يحضر يوم استخراج دهنه بعض أمراء السلطان، وقيل الخازندار الكبير، وأجود ما يكون طبخ دهنه فى برمهات، وكان يزرع حبّه فى بؤنة إلى هاتور، وكان معدودا من جملة محاسن مصر، وكان انقطاعه عن مصر فى أوائل قرن التسعمائة (٢). - ومن حوادث هذا القرن أيضا الحبّ الفرنجى، أعاذنا الله منه، وقد فشا فى الناس جدا حتى أعيى الحكماء أمره، واستمرّ يعترض للناس إلى الآن، انتهى ذلك.

[ثم دخلت سنة ست وتسعمائة]

فيها فى المحرم كان خليفة الوقت المستمسك بالله أبو الصبر يعقوب الهاشمى الأبوين؛ والسلطان الملك الأشرف أبو النصر جانبلاط من يشبك الأشرفى؛ والقضاة الأربعة على حكم ما تقدّم؛ وكانت الأتابكية شاغرة، وقد تعيّنت لقصروه نائب الشام. - وفى يوم الثلاثاء مستهلّ المحرم كان صعود خوند أصل باى زوجة الأشرف جانبلاط، وهى أم الناصر، وسرية الأشرف قايتباى، وأخت قانصوه، وزوجة الأشرف جان بلاط، فكان يوم صعودها إلى القلعة يوما مشهودا، فشقّت من الصليبة وهى فى محفّة زركش، وحولها الخدام من أعيان الطواشية،


(١) يجيئون: يجون.
(٢) أوائل قرن التسعمائة: فى ف: رأس القرن العاشر.