للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قال الشيخ قطب الدين اليوبينى: وكان ابن عبد السّلام، مع شدّته وصلابته، حسن المحاضرة بالنوادر والأشعار، ويستشهد بالأشعار من كلام القوم، ويحضر السماع ويرخص فيه، وربما تواجد فى السماع؛ ولبس خرقة التصوّف من الشيخ شهاب الدين السهروردى، وكان يحضر عند الشيخ أبو الحسن الشاذلى، ويسمع كلامه فى علم الحقيقة، انتهى ذلك.

ولما أن عزل الشيخ عزّ الدين نفسه من القضاء، وامتنع من العود إليه، فعند ذلك أخلع الملك الصالح على الشيخ أفضل الدين محمد الخونجى، صاحب «المنطق فى المعقولات»، وكان ريّس الأطباء، ولكنه كان من أهل العلم، بارعا فى علوم الشافعية، فاستقرّ قاضى القضاة بالديار المصرية، عوضا عن الشيخ عزّ الدين بن عبد السّلام، ولكن فرق عظيم بينهما، وأين الثريا من يدى المتناول.

[ثم دخلت سنة أربعين وستمائة]

فيها ابتدأ الملك الصالح بعمارة مدينة على أطراف الرمل، وسمّاها «الصالحية»، وأنشأ بها المساجد والفنادق والأسواق والطواحين، واستمرّت من يومئذ تتزايد فى العمارة حتى صارت مدينة على انفرادها. -[وفى سنة أربعين وستمائة، كانت وفاة القرطبى، رحمة الله عليه] (١).

ومن الوقائع الغريبة، ما وقع للأمير شهاب الدين بن موسى بن يغمور، والى القاهرة، أنّه أمر بشنق عشرين رجلا كانوا قطّاع طريق، قتّالين قتلاء (٢)، فلما شنقهم أمر الخفراء بحفظهم، فلما جاء الليل عدّوهم، فإذا هم تسعة عشر إنسانا، فخافوا الخفراء من الأمير شهاب الدين أن يسألهم عن الواحد المفقود، فقعدوا على الطريق ينتظرون من يمرّ بهم، فيشنقوه عوضا عن ذلك الرجل المفقود من المشانيق؛ فبينما هم على ذلك، وإذا بشخص قد مرّ بهم، فقاموا إليه ومسكوه وشنقوه مع جملة المشانيق.

فلما لاح الصباح، أتى الأمير شهاب الدين وعدّ المشانيق، فإذا هم واحد وعشرين


(١) وفى سنة … رحمة الله عليه: كتبت فى الأصل على هامش ص ١٣٧ ب.
(٢) قتالين قتلاء: كذا فى الأصل، وتلاحظ اللهجة العامية.