للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فلما مات أحضر السلطان ولد القاضى كريم الدين، وعاقبه أشدّ العقوبة، وقرّره على الأموال والذخائر، فأظهر فى دهليز بيته مخبأة فيها من الذهب العين مائتى ألف دينار، ووجد فيها من الفصوص والتحف ما لا يحصى، هذا بعد ما ظهر له من الموجود فى المصادرة الأولى.

وقد اجتمع عنده هذه الأموال فى مدّة يسيرة، وكان السلطان قرّبه حتى إنّه سلّمه مفاتيح بيت المال، يتصرّف فيها حيثما يختار من ذلك، وكانت الكلمة مجتمعة فيه بموجب قربه من السلطان، فكان كما قيل فى المعنى:

احذر مداخلة الملوك ولا تكن … ما عشت بالتقريب منهم واثقا

فالغيث غوثك إن ظمئت وربما … ترمى بوارقه إليك صواعقا

نقل الصارمى إبراهيم بن دقماق فى تاريخه، أنّ القاضى كريم الدين هذا شرب يوما دواء، فجمع له كل ورد كان بالقاهرة، فنثره فى داره، حتى عمّ دور القاعة، وعمّ الدهاليز، حتى فرش منه على ملاقى بيت الخلاء، وأخذ منه الناس ما قدروا عليه، ثم إنّ العبيد أخذوا ما فضل من ذلك الورد، فأباعوه بعشرة دنانير؛ ودخل عليه جماعة من الشعراء فى ذلك اليوم يهنّونه بشرب الدواء، فأنعم عليهم بمائتى دينار، فمنهم الشيخ جمال الدين بن نباتة، يقول فيه فى المعنى:

أمط بالدواء ثياب الأذى … وطب فى الرواح به والغدوّ

وكرر أحاديث بيت الخلا … ولكن على رغم أنف العدوّ

وكان القاضى كريم الدين هذا، له برّ ومغروف، وأنشأ جامعا بالجزيرة الوسطى، وأنشأ خانقاة بالقرافة الصغرى، وأوقف على الجامع والخانقاة عدّة جهات؛ ومات بأسوان، ولم يدفن بمصر، وعاش من العمر نحو ستين سنة، انتهى ذلك.

[ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة]

فيها شرع السلطان فى عمارة خانقاة فى سرياقوس، وهى من ضياع مصر، قيل إنّه رأى النبى، ، فى المنام، وأشار عليه أن يبنى فى هذا المكان خانقاة، فلما انتبه من المنام شرع فى عمارة هذه الخانقاة.