وأما ما أبطله فى أيامه من وجوه الظلم، وهو: ضمان الغانى، وكان عبارة عن أخذ مال من النساء البغايات، وذلك لو خرجت أجلّ امرأة من نساء القاهرة تقصد البغاء، ونزّلت اسمها عند امرأة تسمّى الضامنة، وأقامت بما يلزمها من القدر الذى يتعيّن عليها، لما قدر أكبر من فى الحكام يمنعها عن البغاء، وعمل الفاحشة، وكان يحصل من ذلك لنساء أعيان مصر، وبناتهم، غاية الفساد من ذلك، فأبطل هذه الفاحشة العظيمة من مصر، وكان يتحصّل من هذه الجهة جملة مال.
وأبطل أيضا ما كان يؤخذ ممن يبيع ملكا له، عن كل ألف درهم عشرين درهما، فأبطل ذلك جميعه، وكان يتحصّل من هذه الجهة أيضا جملة مال؛ وأبطل من هذا النمط أشياء كثيرة كانت بمصر من وجوه المظالم، وصارت فى صحيفته إلى الآن.
قال بعض المؤرّخين: لم يل (١) من أبناء الملوك قاطبة ملك مصر أعظم من الملك الناصر محمد، وهذا متّفق عليه كل مؤرّخ.
ولما مات الملك الناصر محمد، تولّى بعده ابنه أبو بكر، انتهى ما أوردناه من أخبار الملك الناصر محمد بن قلاون، وذلك على سبيل الاختصار، تمّت.
[ذكر سلطنة الملك المنصور سيف الدين وهو أبو بكر ابن الملك الناصر محمد بن قلاون]
وهو الثالث عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو أول من تولّى الملك من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون؛ بويع بالسلطنة بعد موت أبيه بعهد منه، وكان فى أولاده من هو أكبر منه، ولكن الملك الناصر اختار سلطنته من بعده دون أولاده، وقدّمه عليهم، فتولّى الملك وله من العمر نحو عشرين سنة.
فلبس شعار الملك من دور الحرم، وركب من باب الستارة، والأمراء مشاة