للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[ذكر ما كان من أخبار المقوقس بعد فتح الإسكندرية]

قال ابن لهيعة: لما فتحت الإسكندرية، كان المقوقس بها، فأرسل يطلب الأمان من عمرو، فأرسل له أمانا (١)، وصار المقوقس يزن الجزية عنه، وعن أولاده، وعياله، ويحضر مجالس عمرو بن العاص، فقال له عمرو يوما: «يا مقوقس، لقد ولّيت على مصر إحدى وثلاثين سنة، فأخبرنى بما يكون فيه عمارة أراضى مصر»، فقال له المقوقس: «إنى رأيت الذى يقوم بعمارة أراضى مصر، حفر خلجانها، وإصلاح جسورها، وسدّ ترعها، ولا يؤخذ خراجها إلا من غلالها ويحجر على عمّالها من المطل، ويمنعهم من أخذ الرشاء، وترفع عن أهلها المعاون والهدايا، ليكون ذلك قوّة للمزارعين على وزن الخراج».

وكان بها على زمن فرعون أربعمائة ألف ألف وثمانين ألف ألف حرّاث، يلزمون العمل بها دائما؛ وكان بها مائة ألف ألف وعشرين ألف مزارع (٢)، يتفرّقون فى البلاد، قبلى وبحرى، وقد ضبطت مساحتها فى زمن القبط، عند تلاشى أمرها، بالنسبة إلى ما كانت عليه فى زمن الفراعنة، فكانت مائة ألف ألف وثمانين ألف ألف فدان تزرع، غير البور؛ وكان جملة خراجها فى زمن الفراعنة ألف ألف دينار، بالدينار الفرعونى، وهو ثلاثة مثاقيل من مثقالنا الآن، انتهى.

قال ابن عساكر، فى تاريخه، عن سفيان (٣) بن وهب الخولانى، قال: بينما نحن نسير فى فضاء مصر مع عمرو بن العاص، وكان المقوقس راكبا معه، فالتفت إليه عمرو، وقال له: «يا مقوقس، ما بال جبلكم أقرع، ليس به نبات، ولا شجر، كجبال الشام»؟ فقال المقوقس: «ما أدرى، ولكن أغنى الله تعالى أهل مصر بهذا النيل بما يزرعون عليه، ولكنا نجد فى كتبنا ما هو خير من ذلك»، قال:

«ما هو»؟ قال: «ليدفن تحته قوم يبعثهم الله تعالى يوم القيامة، لا حساب عليهم»،


(١) أمانا: أمان.
(٢) مزارع: مزارعا.
(٣) سفيان: سفين.