فيها ابتدأ الملك المنصور قلاون بعمارة القبّة التى تجاه المدرسة الظاهرية؛ وأضاف إليها قاعة القطبيّين، وسمّاه «البيمارستان المنصورى»؛ وأنشأ بجوار القبّة مدرسة تجاه المدرسة الصالحية؛ وقيل انتهى العمل من ذلك فى مدّة عشرة أشهر - هكذا نقله بعض المؤرّخين - وغالب ما فيها من الأعمدة والأعتاب نقل من القلعة التى كانت بالروضة كما تقدّم.
فلما كملت العمارة، أوقف عليها عدّة من ضياع وأملاك وبساتين ومسقّفات، وغير ذلك؛ وجعل لها فى كل يوم من الرواتب نحو ألف دينار.
وأشرط فى وقفه أن لا يمنع من دخول البيمارستان، من كان مريضا، أو رمدانا، أو مبطونا، أو مجنونا، أو من به عاهة، ويقيم به إلى أن يبرأ، أو يموت؛ ورتّب لهم الأطبّة، والأشربة، والسكر، والمزاور، والفراريج، حتى الخيار البلدى، والتمرحنا، والياسمين، وجعل يرسم ذلك غيطان معروفة؛ قال ابن عبد الظاهر:
كانت أوقاف البيمارستان، تشتمل فى كل سنة على ستين ألف دينار.
وأشرط فى وقفه أنّ فى كل ليلة يحضر من أرباب الآلات أربعة، يضربون بالعود حتى يساهروا (١) الضعفاء، وأجرى عليهم الجوامك فى كل شهر؛ وأشرط أيضا أن يرمى على سطح القبّة، التى يدفن تحتها، فى كل شهر أربع أرادب قمح، برسم الطيور والحمام.
وأشرط أشياء كثيرة من هذا النمط ما لا فعله أحد من الملوك قبله، ولا بعده.
وهذا المعروف باق إلى الآن، وهو من حسنات الزمان، تحتاج إليه الملوك، ولا يستغنى عنه الغنى ولا الصعلوك، وقد قيل فى المعنى:
تمشى الملوك على آثار غيرهم … وأنت تخلق ما تأتى وتبتدع