للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة]

فيها تغيّر خاطر السلطان على الخليفة المستكفى بالله أبى الربيع سليمان، ورسم له بأن يتوجّه، هو وعياله، إلى قوص، فخرج من يومه، وتوجّه إلى قوص، وذلك يوم السبت ثانى عشر ذى الحجّة من تلك السنة.

فهو أول خليفة نفى من مصر من غير جنحة ولا سبب، ومعه أولاده وعياله، فشقّ ذلك على الناس، ولم يستحسنوا منه هذه الفعلة؛ قال الشيخ زين الدين عمر ابن الوردى فى هذه الواقعة، وهو قوله:

أخرجوكم إلى الصعيد لأمر … غير مجز فى ملّتى واعتقادى

لا يغيّركم الصعيد وكونوا … فيه مثل السيوف فى الأغماد

وكان سبب ذلك، أنّ الخليفة المستكفى بالله، رفعت إليه قصّة، بأنّ شخصا له على الملك الناصر دعوة شرعية، فكتب عليها الخليفة: «ليحضر أو يوكّل»، وأرسلها إلى الملك الناصر، فلما قرأها شقّ ذلك عليه، وبقى فى خاطره منه، فتغافل عنه مدّة ثم رسم بإخراجه إلى قوص.

فلما خرج أقام بقوص مدّة ثلاث سنين ونصف، ومات هناك فى شعبان سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، فكانت مدّة خلافته بمصر خمس وثلاثين سنة وسبعة أشهر وأياما.

وكان المستكفى بالله لما خلع من الخلافة، عهد إلى ولده أحمد من بعده، وثبت ذلك العهد على قاضى قوص، بشهادة أربعين رجلا من العدول، فلما حضر ذلك العهد بين يدى الملك الناصر، فلم يمشّيه، لما فى نفسه من الخليفة المستكفى بالله.

ثم إنّ السلطان عقد مجلسا، وجمع القضاة الأربعة بسبب من يلى الخلافة؛ فلما رأوا القضاة ذلك العهد تمسّكوا بحكم قاضى قوص، وانفضّ المجلس مانعا، ولم يولّ (١) السلطان أحمد بن المستكفى بالله، واستمرّ على عدم ولايته لأحمد، فأقامت مصر بلا خليفة أربعة أشهر، فكانت الخطباء لا يدعون إلا للسلطان، فقط، ولم يذكروا (٢) اسم الخليفة.


(١) ولم يول: ولم يولى.
(٢) ولم يذكروا: ولم يذكرون.