فلما تسامعوا بالسلطان، هربوا إلى الجبال، فقتل أكثرهم من العطش والجوع، وأسر منهم نحو النصف، فصفّدوا بالحبال، وحملوا فى المراكب إلى القاهرة، فلما دخلوا، رسم السلطان بسجنهم، فسجنوا؛ ثم صار السلطان يستعملهم فى حفر الجسور، وهم فى زناجير.
ولما عاد السلطان من الصعيد، أقام عند الأهرام مدّة، على سبيل التنزّه، وكان قد دخل شهر رمضان، فصام هناك؛ فلما قرب الفطر، طلع إلى القلعة، وعيّد بها.
وفى هذه السنة، شرع السلطان فى روك البلاد الشامية، وأحضر جيوش الشام، وأجناد غزّة، وأعرضهم وفرّق عليهم المثالات، حسبما وقع الاتفاق عليه؛ وتوجّه الأمير قجليس (١)، أمير سلاح، إلى الشام، وعلى يده المناشير والمثالات، فتولّى نائب الشام أمر ذلك.
وفى هذه السنة، تحوّلت سنة اثنتى عشرة وسبعمائة الخراجية، إلى سنة ثلاث عشرة وسبعمائة الهلالية، وحصل فى هذه السنة وقائع كثيرة، وحوادث، وغير ذلك، انتهى.
[ثم دخلت سنة أربع عشرة وسبعمائة]
فيها أخلع السلطان على كاتبه، القاضى كريم الدين عبد الكريم بن عبد الله بن السديد، واستقرّ به ناظر الخاص؛ وهو أول من تلقّب بناظر الخاص، وأول من ولى هذه الوظيفة، وهى محدثة، فرع من الوزارة؛ وموضوع هذه الوظيفة، أن يكون مباشرها متحدّثا فيما هو خاصّ من أمور المملكة وعامّ، وأفردت إليه النفقات، والكساوى، وخلع الأمراء والجند، والأضحية، وخلع عيد الفطر، وكساوى حرم السلطان، وما يجرى مجرى ذلك.
فلما تولّى هذه الوظيفة القاضى كريم الدين، عظم أمره وصار يتصرّف فى امور المملكة كما يختار، وكانت الأمراء، وأعيان الناس، يركبون فى خدمته لما ينزل من القلعة إلى بيته؛ وكان الملك الناصر أباح له التصرّف فى خزائن بيت المال من غير مانع،