للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

دخل إلى الحوش وجلس على الدكة، ثم أحضر أغوات الطباق، وأعيان المماليك الجلبان، وكلّمهم بكلمات كثيرة، ووبّخهم بالكلام، حتى قال: إن كان قصدكم قتلى فدونكم ذلك، فاستغفروا له، ثم آل الأمر (١) إلى صلحهم مع السلطان وسكون هذه الفتنة قليلا؛ فلما خرجوا من عنده عادوا لما كانوا عليه من ثوران الفتنة، حتى أشيع بين الناس أن السلطان قد تهيّأ للفرار بنفسه، ولا يعلم أين يتوجّه، وقد تزايد القول فى ذلك، فكان كما يقال:

لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها … ولكن أخلاق الرجال تضيق

وقد خرجت هذه السنة عن الناس وهم فى أمر مريب، وكانت الأسعار مرتفعة فى سائر البضائع، والإشاعات قائمة برجوع عسكر ابن عثمان وزحفهم على البلاد الحلبية، والإشاعات قائمة بثوران فتنة كبيرة بمصر بين الجلبان، والأحوال واقفة، والسلطان ناظر إلى الظلم وأخذ أموال الناس، والأمر إلى الله، انتهى ذلك.

[ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة]

فيها فى المحرم سافر قانصوه اليحياوى إلى الشام، وقد تقدّم بأنه تقرّر فى نيابة الشام، فخرج فى موكب حافل. - وفيه سمح خاطر السلطان بأن ينفق على مماليكه توسعة على نزول خيلهم من الربيع، فأعطى لكل مملوك عشرة دنانير والقرانصة خمسة دنانير وللسيفية ثلاثة دنانير، فأصرف فى هذه الحركة جملة مال كبير. - وفيه جاءت الأخبار بقتل حسن بن سليمان بن عيسى بن عمر الهوّارى، أخو داود بن عمر أمير هوّارة، قتله بعض أعدائه من العربان، وكان شابا حشما لا بأس به.

وفيه توفى جانى بك حبيب العلاى الأينالى أحد الأمراء الطبلخانات وأمير آخور ثانى، وكان رئيسا حشما حلو (٢) اللسان حسن العبارة، سيوسا دربا عارفا، فصيح اللسان بالعربية، توجّه قاصدا إلى يعقوب بن حسن الطويل، ثم توجّه قاصدا إلى ابن عثمان ملك الروم، وكان مقبول الشكل حسن الوجه، ومات ولم يظهر الشيب


(١) الأمر: الأمراء.
(٢) حلو: حلوى.