للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[ثم دخلت سنة أربع وعشرين وتسعمائة]

فيها كان افتتاح شهر المحرم يوم الأربعاء، فطلع القضاة إلى القلعة وهنّوا ملك الأمراء خاير بك بالعام الجديد، ثم رجعوا إلى دورهم. - فلما كان يوم السبت رابع المحرم شكى الناس من أذى العثمانية الذين بمصر، وتزايد منهم الفساد فى حقّ الناس، وصاروا يتوجّهون إلى الأماكن التى (١) فى زقاق الكحل والمسطاحى، والتى فى الجسر وحكر الشامى والأزبكية، ويأخذون ما فيها من الأبواب والسقوف والشبابيك الحديد والطيقان، ويحمّلونها على الجمال بين الناس على النداء والأجهار، ويبيعونها بأبخس الأثمان، ولم يجدوا من يردّهم عن ذلك. ثم صاروا يطلعون (٢) بالنساء إلى القلعة، ويحشرون بها فى أطباق المماليك التى (١) بالقلعة. وصنعوا بالطباق أدنان بوزة، وصارت حانة برسم حرافهم. وصاروا يأخذون ما بالطباق من الأبواب والسقوف ويطبخون بها الطعام، حتى أخربوا غالب الطباق التى بالقلعة. ثم تزايد منهم الفساد حتى صاروا يخطفون النساء والصبيان المرد، وعمائم الناس من الطرقات والأسواق والأزقّة فى النهار والليل، وصاروا الناس على رءوسهم طيرة من العثمانية، ويجدون القتلاء مرميّة فى الطرقات.

فلما تزايد هذا الأمر دخل جماعة من الناس إلى القاضى، الذى جعله ابن عثمان فى المدرسة الصالحية أمينا على قضاة مصر، فشكوا له من أفعال هذه العثمانية وما يفعلونه بالناس. فلما سمع هذا الكلام ركب وتوجّه إلى بيت الأمير قايتباى الدوادار وأركبه وطلع به إلى القلعة، وأخبروا ملك الأمراء خاير بك بهذه الأحوال التى (١) بتصدر (٣) من العثمانية. ثم إن قاضى ابن عثمان أغلظ على خاير بك فى القول، وقال له: انظر فى أحوال المسلمين وإلاّ تخرب مصر عن آخرها، فقد فسدت الأحوال جدا، ومتى بلغ الخندكار هذه الأخبار يرسل بضرب أعناقنا، ويقول لنا كيف كتمتوا عنى أخبار مصر وغفلتوا عن أحوال المسلمين حتى جرى فيها ما جرى؟ فلما سمع ملك الأمراء


(١) التى: الذى.
(٢) يطلعون: يطلعوا.
(٣) بتصدر: كذا فى الأصل.