للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وجعل يرقع للمماليك الجراكسة خلل، ويقول: هؤلاء مماليكك وعبيدك وإنما يفعلوا ذلك من الجوع والقلّة. فقال ملك الأمراء: والله والله لولا أنا ما خلّى الخندركار منكم مملوك يلوح على وجه الأرض حتى أنا شفعت فيكم من القتل. فقال له الأمير قايتباى: الكل صاروا رعيتك، ولهم أولاد وعيال، وقد مسّهم الفقر والفاقة، والآن يطلبوا صدقة الخندكار وصدقتك. فرسم لهم بشهر واحد يصرف لهم من جامكيتهم، وكان لهم شهران مكسورة فى الديوان، انتهى ذلك.

وقد خرجت هذه السنة عن الناس وهم فى أمر مريب من الغلاء وقلة الأمن وجور التركمان عليهم، وتناهى سعر الأردب القمح إلى ثلاثة أشرفية واثنا عشر نصفا كل أردب، والبطّة الدقيق بأشرفى وخمسة أنصاف، وقد شطحت الأسعار فى سائر البضائع من المأكل والمشرب حتى الماء. وصارت التركمان يخطفون عمائم الناس من على رءوسها جهارا ولا يجدون من يمنعهم من ذلك، ويقطعون الطريق على المتسبّبين والضيافات التى تطلع من البلاد، وصاروا يخطفون النساء والمرد من الطرقات كل يوم من بين الناس ولا يجدون من يخلصهم من أيديهم. وحصل للناس وقوف حال بسبب المعاملة من الفضة فإنها كلها نحاس وغشّ وزغل وصار الأشرفى القايتبية يصرف بخمسة وستين نصف فضة، والسوقة لا تقبل من الفضة إلا القليل، وكذلك الفلوس الجدد. وقاست أهل مصر فى هذه السنة شدّة عظيمة ما قاستها قط، والأمر لله من قبل ومن بعد. انتهى ما أوردناه من حوادث سنة خمس وعشرين وتسعمائة.

[ثم دخلت سنة ست وعشرين وتسعمائة]

فيها فى المحرّم كان مستهلّ الشهر يوم السبت، فطلع القضاة الأربعة إلى القلعة وهنّوا ملك الأمراء بالعام الجديد، ثم رجعوا إلى دورهم. - ففى يوم الثلاثاء رابعه كان ختان ولد قاضى القضاة المالكى محيى الدين يحيى بن قاضى القضاة برهان الدين إبراهيم الدميرى رحمة الله عليه، فكان له فى ذلك اليوم زفّة حفلة رجّت لها القاهرة، فمشت من الجامع المؤيدى إلى المدرسة الصالحية، ومشى فيها أعيان الرؤساء من المباشرين والتجّار ومشاهير الناس وغير ذلك من الأعيان، فوقدت لها