للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ما من مليك له ذكر يشاع به … إلا الذى بعده للخير آثار

قال الشيخ تقىّ الدين المقريزى: وكان سبب بناء هذا البيمارستان، وهذا المعروف، والآثار العظيم الذى صنعه قلاون، قيل إنّه أمر بشئ كان له فيه اختيار، فخالفه جماعة من العوام، ورجموا المماليك، فغضب عليهم السلطان، وأمر المماليك أن يقتلوا كل من وجدوه من العوام، فاستمرّ السيف يعمل فيهم ثلاثة أيام، فقتل فى هذه المدّة ما لا يحصى عددهم من العوام وغيرهم، وراح الصالح بالطالح؛ فلما تزايد الأمر، طلع القضاة ومشايخ العلم إلى السلطان وشفعوا فيهم، فأمر بكفّ القتل عنهم، بعد ما قتل من الناس جماعة كثيرة.

فلما جرى ذلك، ندم السلطان على ما وقع منه، فأشار عليه بعض العلماء أن يفعل شيئا من أنواع البرّ والخير، لعل أن يكفّر عنه ما جرى منه، فشرع فى بناء هذا البيمارستان، وصنع فيه هذا الخير العظيم، من الرواتب الجزيلة، لعل الله تعالى أن يمحو ما تقدّم من ذنبه «إنّ الحسنات يذهبن السيّئات» - هكذا نقل المقريزى، انتهى ذلك.

ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين [وستمائة] (١)

فيها خرج السلطان بنفسه إلى نحو البلاد الشامية؛ ثم توجّه إلى حصن المرقب وحاصره، ونصب عليه المناجنيق، واستمرّ يحاصره ثمانية وثلاثين يوما، فطلب أهله الأمان، فأعطاهم الأمان، وسلّموا الحصن، ثم رجع السلطان إلى الديار المصرية (٢).

وفيها عزل السلطان الصاحب هبة الله الأصفونى؛ واستقرّ بمملوكه علم الدين سنجر الشجاعى، وهو أول من ولى الوزارة من الأتراك، ودقّت له على بابه الطبلخاناة، على قاعدة وزراء الخلفاء ببغداد. - وفيما توفّى ابن الساعاتى صاحب «مجمع البحرين».


(١) [وستمائة]: تنقص فى الأصل.
(٢) الديار المصرية: كتب المؤلف هنا على الهامش ما يأتى: وفيها فتحت مرقب، ونصب عليها السلطان قلاون تسعة عشر منجنيقا، ففتحت يوم الثلاثاء رابع جمادى الآخرة؛ وفتحت طرابلس، وكانت بيد الفرنج مدة مائة سنة وأشهر.