للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وهذا الذى فعله، لم يقع فيه من [فى] (١) عقله خلل، وهذان الأميران كانا سببا لسلطنته، كما تقدّم القول على ذلك، فلما أن وقع منه هذه الأفعال الشنيعة، والأمور الوضيعة، نفرت عنه قلوب الرعيّة، وأضمروا له كل الأذيّة.

واستمرّ على ذلك إلى سلخ سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، فأظهر أنّه يريد السفر إلى نحو البلاد الشامية، فخرج من القاهرة، وصحبته جماعة من الأمراء، والعسكر، ولا يعلم أحد إلى أين يتوجّه؛ وأخذ من خزائن بيت المال الأموال الجزيلة، والتحف الفاخرة، فعيّد عيد النحر فى خانقة سرياقوس؛ وأخذ صحبته الأمير طشتمر حمّص أخضر، وهو مقيّد فى شقدف.

فلما رحل من خانقة سرياقوس، عرج إلى نحو الكرك، التى (٢) هى محطّ رحاله، وبغية آماله؛ واسترجع الأمير قطلوبغا الفخرى، الذى كان ولاّه نيابة الشام، فأخذه صحبته إلى الكرك؛ فلما وصل إلى قلعة الكرك، اعتقل بها الأمير طشتمر حمّص أخضر، والأمير قطلوبغا الفخرى.

ثم أذن لجماعة من الأمراء، والعسكر، بالرجوع إلى مصر؛ واختار الإقامة بالكرك، وكان عوّل على ذلك وهو بمصر، ولم يعلم أحد من الناس ما فى ضميره.

[ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة]

فيها فى خامس المحرّم، رجع جماعة من الأمراء، والعسكر، ممن كان صحبة السلطان، وأخبروا أنّ السلطان اختار الإقامة بالكرك، كما كان أولا؛ فلما بلغ الأمراء ذلك، ركبوا، واجتمعوا بسوق الخيل، وضربوا مشورة فى أمر من يلى السلطنة.

ثم إنّ الأمراء اقتضى (٣) رأيهم، بأن يكاتبوا السلطان فى أمر عوده إلى الملك؛ فإنّ الأحوال قد فسدت؛ واضطربت أحوال الديار المصرية، لغيبة السلطان، وضاعت حقوق المسلمين.


(١) [فى]: تنقص فى الأصل.
(٢) التى: الذى.
(٣) اقتضى: اقتضا.