للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

على صاحب تلك الدار الوصولات بالجمل الثقال من المال، فإن امتنع من الإعطاء بهدلوه وسبّوه، ولو كان أكبر من فى القاهرة، ولا يزالون (١) مترسّمين على بابه حتى يأخذوا منه ما قرّروه عليه، فيأخذون (٢) منه ذلك القدر طوعا أو كرها.

وكان طائفة منهم يقفون فى الطرقات، ويتراششون بالماء المتنجّس أو بالخمر، ويتراجمون بالبيض فى وجوههم، ويتصافعون بالأخفاف والأنطاع على رقابهم، ويتراجمون بعمائمهم فى الأسواق والأزقة، حتى قال فى ذلك بعض شعراء العصر، وأجاد:

بدارى رجال للمجون (٣) ترجّلت … عمائمهم عن هامهم والطيالس

فللراح ما زرّت عليه جيوبها … وللماء ما دارت عليه القلانس

مساحب من جرّ الزقاق على القفا … وصفع بأنطاع جنىّ ويابس

وكانوا يقطعون الطريق على من يمرّ من الناس، ويمنعونهم من الخروج فى ذلك اليوم إلى الأسواق، وتغلق فى ذلك اليوم الدكاكين، وتتعطّل الناس عن البيع والشرى، وكل من ظفروا به ماشيا فى الطرقات، يبهدلونه (٤)، ولو كان رئيسا من أعيان الناس، أو من الأمراء، فيرشّونه بالماء المتنجّس، ويرجمونه بالبيض، حتى يفدى نفسه منهم بشئ يعطيه لهم، حتى يخلص من أيديهم، فيحصل للناس فى ذلك اليوم غاية الضرر، وتتعطّل عن أسبابها.

وكانوا يتجاهرون فى ذلك اليوم بشرب الخمور، وكثرة الفسوق فى أماكن المفترجات، حتى يخرجون فى ذلك عن الحدّ، وربما كان يقتل فى ذلك اليوم جماعة ممن يعربدون (٥) على بعضهم فى السّكر؛ وكان هذا الأمر ماشيا بمصر على القاعدة القديمة من الدول الماضية، فى كل سنة فى يوم النوروز، ولا ينكر ذلك بين الناس.

وكان فى ذلك اليوم يحمل إلى أكابر مصر من الأقباط من أعيان المباشرين،


(١) يزالون: يزالوا.
(٢) فيأخذون: فيأخذوا.
(٣) للمجون: للمجنون.
(٤) يبهدلونه: يبهدلوه.
(٥) ممن يعربدون: مما يعربدوا.