للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وأخلع على علم الدين عبد الوهّاب الطنساوى، الذى يقال له «سنّ إبرة»، واستقرّ به فى الوزارة، عوضا عن كريم الدين بن مكانس؛ ثم سلّم ابن مكانس وإخوته وأقاربه وحاشيته إلى شاد جهات الدواوين، فعذّبهم بأنواع العقوبات. - فلما قبض على أخيه فخر الدين، وهو صاحب الأشعار الرائفة، فصادره، حتى بيّعه جميع ما يملكه من صامت وناطق، حتى باع خيله وبغاله بأبخس الأثمان، فأنشد فى هذه الواقعة، وهو يقول:

ربّ خذ بالعدل قوما … أهل ظلم متوالى

كلّفونى بيع خيلى … برخيص وبغالى

وفيه ارتفع سعر الغلال فى سائر الحبوب، حتى بلغ سعر الأردب القمح ستين درهما، وعزّ وجود الخبز من الأسواق، واختطف الناس الخبز من الأفران؛ فلما تزايد الأمر رسم الأتابكى برقوق بفتح شون الذخيرة، وأبيع منها بسعر جيّد.

ثم إنّ السواد الأعظم من العوام، طلعوا إلى الرملة واستغاثوا: «الله ينصر السلطان»، فأرسل إليهم برقوق أوجاقى، يقول لهم: «ما بالكم»؟ قالوا: «يولّى السلطان علينا محمود العجمى، المحتسب، عوضا عن المليجى»، فأجابهم برقوق، وأخلع على محمود العجمى، وأعيد [إلى] (١) الحسبة، وأجاب سؤالهم.

وفى شهر ذى الحجّة، فيه وقع أنّ الأمير تغرى برمش، أمير سلاح، ترك إمريّته، ثم إنّه تزايا بزىّ الفقراء، وفرّق مماليكه على الأمراء، وتوجّه إلى مكان فى القرافة، يتعبّد فيه؛ فلما بلغ الأتابكى برقوق ذلك، بعث إليه الأمير سودون الشيخونى، حاجب الحجّاب، والأمير قردم الحسنى، رأس نوبة النوب، ليعود إلى إمريّته، فأبى من ذلك، وصمّم على الزهادة، وترك الدنيا؛ ثم بعث إليه الأتابكى برقوق الشيخ أكمل الدين الحنفى، شيخ الخانقة الشيخونية، يسأله فى العود إلى إمريّته، فأبى من ذلك

فاشتدّ غضب الأتابكى برقوق عليه، فأمر بإخراجه إلى القدس ماشيا حافيا، فمشى


(١) [إلى]: تنقص فى الأصل.