فركب الشيخ أكمل الدين الحنفى، والشيخ أمين الدين الخلوى، ونزلا بالأمير أيتمش إلى عند الأمير بركة، وقرّروا بينهما الصلح؛ فأخلع الأمير بركة على الأمير أيتمش كامليّة مخمل بسمور (١)، وأركبه فرسا بسرج ذهب وكنبوش، وتوجّه إلى داره، وكان هذا الصلح على فساد، كما سيحدث ما يأتى ذكره بعد ذلك بينهما.
وفيه وقعت حادثة غريبة، وهو أنّ شخصا من الفرنج خاصم شخصا من المسلمين، وادّعى عليه بمال بين يدى الأمير بركة، فلم يثبت له عليه حقّ، فغضب ذلك الإفرنجى على الرجل المسلم، وأخرج سكينا كانت معه، وضرب بها الترجمان الذى كان بينهما، فقتله فى موقوف الدعوى، بين يدى الأمير بركة، بحضرة الملأ العظيم من الناس؛ فلما جرى ذلك قبض الأمير بركة على ذلك الإفرنجى، وسمّره على جمل، بعد أن قطعت يداه ورجلاه، وطيف به فى القاهرة، ثم أحرق بالنار خارج القاهرة.
وفيه، فى ليلة الجمعة تاسع عشره، لبس الأمير بركة آلة السلاح، هو ومماليكه، ولبس معه جماعة من الأمراء، ممن كان من عصبته؛ فلما أصبح نهار الجمعة، طلب الأتابكى برقوق قضاة القضاة، ومشايخ العلم، وأمرهم بأن يتوجّهوا إلى عند الأمير بركة، ويمشوا فى أمر الصلح بينه وبين الأتابكى برقوق، وكانت هذه مكيدة من برقوق، فما زالوا يتردّدون بينهما عدّة مرار، حتى وقع الصلح وحلف كل منهم لصاحبه، وخمدت تلك الفتنة، ونزعوا عنهم السلاح.
ثم إنّ الأتابكى برقوق بعث بالأمير أيتمش إلى الأمير بركة، وكان الأمير أيتمش من أعظم أخصّاء برقوق، بحيث أنّه كان عنده بمنزلة القرابة، فتوجّه إلى عند الأمير بركة، وفى عنقه منديل، وقد خضع له خضوعا زائدا، فلما مثل بين يدى بركة، فما وسعه إلا العفو عنه، ثم ألبسه كامليّة مخمل بسمور (١)، وأعاده إلى برقوق، وفى القلوب ما فيها من الحنق بينهما؛ ثم نودى فى القاهرة بالأمان والاطمان، وفتحت الأسواق والحوانيت، وسكن ذلك الاضطراب قليلا.