للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ولما مات تولّى بعده ابنه عرياق، وكان عالما بعلم الطلسمات، قيل إنّه عمل شجرة من نحاس أصفر، ولها فروع، إذا قرب منها الظالم اختطفته بتلك الفروع، فلا تفلته حتى يقرّ بظلمه، ويخرج من ظلامة خصمه؛ وقيل إنّ هاروت وماروت كانا فى زمانه؛ وقيل إنّ عرياق هذا بنى فى وسط مدينة أمسوس قبّة عظيمة، وفوقها كالسحابة التى فى السماء، تمطر مطرا خفيفا، شتاء وصيفا، وعمل تحت تلك القبّة مطهرة، فيها ماء أخضر، يتحصّل من ذلك المطر، فإذا استعمله من به عاهة برأ من وقته.

واستمرّ عرياق على ذلك حتى تغايرن عليه نساؤه (١)، فعمدت إحداهن إلى طعام، ووضعت فيه السمّ، وقدمته إليه، فأكل منه، فمات من وقته، فكان كما قيل فى المعنى:

كن (٢) ما استطعت عن النساء بمعزل … إنّ النساء حبائل الشيطان

ولما مات عرياق، تولّى بعده ابنه لوجيم، وكان عالما بعلم الطلسمات، والسحر، وكانت له أعمال عجيبة، منها أنّه عمل أربع منارات فى جوانب مدينة أمسوس، وجعل على كل منارة صورة غراب، وفى فمه حيّة قد التوت عليه، فلما عاينوا الغربان ذلك، نفروا من المدينة، وكانوا قد أفسدوا الزروع والبساتين، وأكلوا الثمار، فمن حينئذ لم يدخل المدينة غراب؛ واستمرّ لوجيم على ذلك حتى هلك.

وتولّى بعده خصليم، وكان عالما بعلوم الهندسة، وهو أول من عمل مقياسا لزيادة النيل، وبناه بالرخام، وجعل فى وسطه بركة صغيرة، فيها ماء موزون بالحكمة، وعليها عقابان من نحاس، أحدهما ذكر، والآخر أنثى، فإذا كان أوان الشهر الذى يزيد فيه النيل، جمع الكهّان على تلك البركة، وتكلّموا بكلام، فإن صفّر الذكر، كان النيل عاليا فى تلك السنة، وإن صفّرت الأنثى كان النيل ناقصا، فيستعدّون لذلك؛ وهو الذى بنى (٣) القنطرة الكبيرة ببلاد النوبة، على بحر النيل؛ واستمر


(١) نساؤه: نسايه.
(٢) كن: خذ.
(٣) بنى: بنا.