للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

إن حمّلت الأنفس ما لا تطيق … أطلقت الألسن ما لا يليق

وفى هذه الأيام تزايدت (١) عظمة الأتابكى يلبغا إلى الغاية، ففتح السدّ فى هذه السنة، وكان له يوم مشهود، ووقع له موكب حفل فى ذلك اليوم، حتى قال فيه الشهاب ابن أبى حجلة، وهو قوله:

أرى النيل سلطان المياه ويلبغا … عليه بمصر حاكم وأمير

تلقّته بالمقياس عند قدومه … أصابع تومى بالدّعا وتشير

وعاد إلى فتح الخليج فبادرت … لرؤياه ولدان هناك وحور

وكان تقدّم القول بأنّ الأتابكى يلبغا أنشأ عدّة شوانى وأغربة، بسبب التجريدة إلى صاحب قبرص (٢)، لما تقدّم منه بسبب هجمه لثغر الإسكندرية؛ فلما كملت عمارة تلك الشوانى، وأشحنوها فى ذلك اليوم بالمقاتلين والسلاح والآلات الحربيّة، وزيّنوها بالسناجق (٣) والشطفات السلطانية.

فعند ذلك نزل السلطان من القلعة فى موكب حفل وتوجّه إلى جزيرة أروى، فنزل من هناك فى المركب المسمّاة بالذهبيّة، ولعبت قدّامه الرجال فى الشوانى بالآلات الحربيّة، كما يفعلون عند لقاء العدوّ، وضربت الطبول، وزعقت الزمور، وفرقعت النفوط، وصاروا يلعبون (٤) بالأغربة قدّام السلطان فى البحر ذهابا وإيابا، والسلطان ينظر إليهم، وانشرح فى ذلك اليوم إلى الغاية؛ فلما انقضى ذلك اليوم، توجّه إلى نحو الطرّانة، وتوجّه الأتابكى يلبغا إلى جزيرة القطّ، ونصب له وطاق هناك، وأقام فى أرغد عيش.

وفى شهر ربيع الآخر، ففى ليلة الأربعاء خامسه، كبسوا مماليك الأتابكى يلبغا عليه وهو فى المخيّم بجزيرة القطّ، وأحاطوا به، فلما أحسّ يلبغا بالشرّ منهم، هرب تحت الليل، وهو فى زىّ فلاّح، وعلى رأسه زمط، وعلى جسده جبّة، فعدّى من بولاق التكرور تحت الليل، وطلع من جزيرة أروى، وتوجّه إلى داره التى بالكبش.


(١) تزايدت: تزايد.
(٢) قبرص: قبرس. هجمه: كذا فى الأصل، ويعنى: بسبب هجومه على ثغر الإسكندرية.
(٣) بالسناجق: بالصناجق.
(٤) يلعبون: يلعبوا.