للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وكان أعيان الأقباط، من المباشرين، ينزلون فى المراكب، وقت إلقاء ذلك الأصبع فى البحر، وكانت الشموع تقد فى المراكب، مع القناديل، حتى يضئ منها البرّ، وتعلّق الأشاير فى البرّ فوق الخيام، حتى يضئ منها البرّ؛ وتحرق النفوط فى تلك الليالى، حتى تدهش العقول من رؤية (١) ذلك.

وكانت الناس يعتقدون أنّ النيل لا يزيد، إلا بإلقاء ذلك الأصبع فى النيل، فقام الأمير صرغتمش فى إبطال ذلك الأصبع، وإلقائه فى النيل، فطلع إلى السلطان، وقال له: «إنّ الناس يعتقدون أنّ النيل لا يزيد إلا بإلقاء ذلك الأصبع فى النيل».

ثمّ إنّ الأمير صرغتمش، شكى للسلطان مما يعمل فى يوم عيد الشهيد، من المفاسد، وأنواع الفسوق، بشبرا؛ فرسم السلطان لوالى القاهرة علاء الدين بن الكورانى، وسائر الحجّاب، بأن يتوجّهوا إلى شبرا، ويمنعوا الناس من نصب الخيام على شطوط البحر، وأشهروا النداء هناك بمنع ذلك، ومن نزول المراكب بالليل، وأنّ من فعل ذلك، شنق من غير معاودة، فرجع الناس عن ذلك من يومئذ.

وكان يوم عيد الشهيد من أجلّ ما يكون من المفترجات بالقاهرة، وتخرج الناس فيه عن الحدّ فى القصف والفرجة، مما كان يعمل من الأشياء الغريبة، من كثرة (٢) الخيام، والمراكب، والوقيد، واجتماع الناس هناك، وما كان ينفق فى هذه الثلاثة أيام من الأموال الجزيلة، التى لا تحصى (٣)، فى مأكل ومشرب وغير ذلك.

ثم إنّ السلطان رسم للأمير صرغتمش بأن يتوجّه إلى شبرا، ويهدم تلك الكنيسة، التى فيها الأصبع؛ فتوجّه الأمير صرغتمش إلى شبرا، وهدم الكنيسة، وأحضر الصندوق الذى فيه الأصبع؛ فلما أحضروه بين يدى السلطان، طلب القضاة الأربعة، وجلس بالميدان الذى تحت القلعة، وأمر بحرق ذلك الأصبع، بحضرة القضاة؛ ثم رسم بأن يرمى رماده فى البحر، وقال: «إن كان السرّ فى هذا الأصبع،


(١) رؤية: رؤيت.
(٢) كثرة: كثرت.
(٣) تحصى: يحصى.