للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ثم إنّ السلطان رسم للأمير صرغتمش بأن يهدم الديورة والكنائس الكبار، وكان يومئذ بشبرا القاهرة، كنيسة كبيرة، على شاطئ النيل، وكان بتلك الكنيسة صندوق من الخشب، مقفول بقفل من الحديد، وفيه عقدة من أصبع، ممن هلك من عباد بنى إسرائيل، يسمّونه الشهيد، وكان للنصارى فيه اعتقاد عظيم.

وكان هذا الصندوق مقيما دائما بهذه الكنيسة، يتوارثونه رهبان النصارى، واحدا بعد واحد، من تقادم السنين، فإذا كان يوم الثامن من بشنس من الشهور القبطية، تجتمع الرهبان فى تلك الكنيسة، ويخرجوا (١) ذلك الأصبع من الصندوق الخشب، ثمّ يغسلونه فى بحر النّيل، فى مكان معلوم فى شبرا، ويزعمون أنّ النيل لا يزيد فى كل سنة حتى يلقوا (٢) فيه ذلك الأصبع، ويسمّون ذلك اليوم عيد الشهيد.

فيجتمع بشبرا سائر من فى مصر من الأقباط، وتخرج أهل القاهرة قاطبة، من أمير ومباشر، وغير ذلك، وينصبون الخيام على شاطئ بحر النيل، وفى الجزائر؛ ولا يبقى مغنّ ولا مغنّية، ولا ربّ ملعوب، ولا ماجن، ولا خليع، حتى يجتمع بشبرا، وتنفق من الأموال هناك ما لا يحصى، وتتجاهر الناس بالمعاصى والفسوق، حتى يخرجوا (٣) فى ذلك اليوم عن الحدّ، وربما كان يقتل فى ذلك اليوم من العوام أو غيرها، الواحد أو الاثنين، أو أكثر من ذلك، من كثرة (٤) ما يقع هناك من المفاسد، والعربدة، ولا يجدون (٥) مانعا من الحكّام، ولا الولاة، ولا الحجّاب.

حتى قيل: كان يباع بشبرا فى يوم عيد الشهيد خمر (٦) بثلاثة آلاف دينار، فى ثلاثة أيام، حتى قيل: كانت شبرا تزرع كلها كروما، فتعصر خمرا، حتى تباع يوم عيد الشهيد، فكان خراج شبرا لا يغلق إلا من بيع الخمر، فى يوم عيد الشهيد.


(١) ويخرجوا: كذا فى الأصل.
(٢) حتى يلقوا: حتى يلقون.
(٣) حتى يخرجوا: حتى يخرجون.
(٤) كثرة: كثرت.
(٥) ولا يجدون: ولا يجدوا.
(٦) خمر: خمرا.