ظلمة شديدة؛ ومن قوّة ما ثار من الرياح، قلعت عدّة أشجار من النيطان، وتساقطت أماكن كثيرة، من داخل القاهرة، واستمرّ ذلك الرياح (١) ثائرة، من إشراق الشمس، إلى نصف الليل، حتى ظنّ الناس أنّ القيامة قد قامت، وصار يودّع بعضهم بعضا؛ ثم بعد ذلك أمطرت السماء مطرا غزيرا، وسكن الريح، وأسفر النّهار.
وفى هذا الشهر، وردت الأخبار من بغداد، بوفاة القان حسن، صاحب بغداد؛ واستقرّ ابنه أويس على مملكة بغداد من بعده، عوضا عن أبيه القان حسن.
ومن الحوادث المهولة، ما وقع فى هذه السنة، من قتل الأتابكى شيخوا العمرى، أمير كبير، وكان سبب ذلك، أنّ شخصا من المماليك السلطانية، يقال له: قطلوقجاه، السلحدار، غافل الأتابكى شيخوا، وهو واقف فى الخدمة بالإيوان، فى يوم الموكب، وضربه بالسيف فى وجهه ثلاث ضربات، فوقع إلى الأرض مغشيّا عليه؛ فلما جرى ذلك، قام السلطان من مجلسه، وهو مرعوب مما جرى.
فلما بلغ الأمير خليل بن قوصون، صهر الأتابكى شيخوا، ومماليكه، طلعوا إلى القلعة، وحملوا شيخوا على جنويّة خشب، ونزلوا به إلى بيته، الذى عند حدرة البقر، فوجدوا فيه الروح، وبعض نفس، فأتوه بمزيّن، قطب له تلك الجراحات التى فى وجهه، وكان ذلك يوم الاثنين حادى عشرين شعبان، من تلك السنة.
فلما بات شيخوا تلك الليلة، وأصبح، نزل إليه السلطان، وسلّم عليه، فنزل عن فرسه، ودخل إلى شيخوا، فلما رآه، جلس عند رأسه، وشرع يحلف له: أنّ الذى جرى لم يكن بعلمه، ولا له خبر بما وقع من هذا المملوك، قطلوقجاه، السلحدار.
ثم رسم السلطان بإحضار قطلو قجاه بين يديه، فلما حضر قال له السلطان:
«من قال لك اقتل أمير كبير»؟ فقال قطلو قجاه:«والله ما أحد قال لى اقتله، وإنما أنا كان فى نفسى منه شئ، بسبب إقطاع كان لشخص من خشداشينى توفّى، فكتبت قصّة ووقفت للسلطان، فلم يساعدنى، وأخرج الإقطاع لشخص من جماعته، فعزّ ذلك علىّ فقتلته فى حظّ نفس من شدّة قهرى منه».