للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الطاعة للسلطان، وباس الأرض له، وتكلّم مع الأمراء بأنّ السلطان يرجع إلى القاهرة، ولا يدخل إلى دمشق، فإنّ فى ذلك عين المصلحة، فكاتب (١) الأمير سلار للسلطان بما وقع من أمر قفجق؛ فلما رأى السلطان أنّ ذلك صوابا، رجع إلى القاهرة، وكان رجوعه فى أوائل شهر رمضان من سنة تسع وتسعين وستمائة.

ومن النكت اللطيفة، نقل الشيخ شهاب الدين بن أبى حجلة فى «السكردان»، أنّ الملك المنصور قلاون، أستاذ قفجق، خرج يوما إلى خليج الزعفران، على سبيل التنزّه، ومعه جماعة من الأمراء، فانشرح ذلك اليوم، وذبح خروفا سمينا بيده، فلما حضر السماط، قدّموا ذلك الخروف فى صدر السماط، فقطعه السلطان بيده، وأخذ لوح الكتف، وجرّده من لحمه، وتركه ساعة حتى جفّ ثم لوّحه على النار قليلا، ثم أخرجه، ونظر فيه ساعة، وأطال فيه التأمّل، ثم تفل عليه وألقاه من يده، وظهر فى وجهه الغضب.

فسأله بعض الأمراء عن ذلك بعد أن سكن غضبه، فقال: «لا تخرجوا قفجق بعدى، ولا تولّوه نيابة الشام، فيحصل منه غاية الفساد، وسوف ترون (٢) ذلك إن خرّجتوه (٣) من مصر»؛ وكانت هذه الواقعة قبل أن بلى قفجق نيابة الشام بعشر سنين، وكان الأمر كما قال: «والملوك لهم فراسة فى الأمور»، وقد قيل فى المعنى:

يرى العواقب فى أثناء فكرته … كأن أفكاره بالغيب كهّان

لا طرقة منه إلا تحتها عمل … كالدهر لا دولة إلاّ لها شان

ولم يزل قفجق عند قلاون فى غاية الطرد، حتى توفّى قلاون؛ ولما (٤) تسلطن لاجين استقرّ بقفجق نائب الشام، فأظهر العصيان، فأراد لاجين القبض عليه، فهرب إلى عند غازان، وجرى منه ما تقدّم ذكره.


(١) فكاتب: فكاتكب.
(٢) ترون: تروا.
(٣) خرجتوه: كذا فى الأصل.
(٤) ولما: لما.