للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قال القاضى محيى الدين بن فضل الله، كاتب السرّ الشريف: حكى لى الأمير قفجق بعد أن جرى منه ما جرى، ورجع إلى القاهرة، قال: لما تلاقى (١) عسكر السلطان مع عسكر غازان، فكاد غازان أن ينكسر، وهمّ بالهروب، فطلبنى ليضرب عنقى، لأنّى كنت السبب فى مجيئه إلى دمشق، فلما أحضرنى بين يديه، قال لى: إيش هذا الحال؟ هذا كله، ما هو شغلك؟ فقلت له: القان يصبر ساعة، فإنّ عسكرنا لهم أول صدمة، ثم يولّوا (٢) عن القتال، فلا يقابلوا بعدها أبدا.

فلما انكسر عسكر السلطان، أراد عسكر غازان أن يزحف عليهم، فقلت فى نفسى متى أن أزحف عليهم لم يبق (٣) منهم أحد، فقلت للقان: اصبر ساعة، فإنّ عسكرنا لهم حيل وخداع، فربما يكون لهم كمين يخرج علينا فننكسر؛ فسمع لى وصبر ساعة حتى أبعدتم عنا، فلو زحف عليكم ما بقى منكم أحد، فلولا أنا، ما سلم منكم أحد؛ فكان كما قيل فى المعنى:

ولو شئت قابلت المسئ بفعله … ولكننى (٤) أبقيت للصلح موضعا (٥)

وفى أواخر هذه السنة، اضطربت أحوال البحيرة، ووقع بها فتنة عظيمة، واختلفت طائفتان من العرب، وهما جابر ومرديس، فنهبوا ضياع البحيرة جميعها، وأحرقوا الجرون.

فلما بلغ السلطان ذلك، أرسل إليهم تجريدة، وكان باش العسكر الأمير بيبرس المنصورى، أمير دوادار كبير، ومعه عشرين أمير عشرة، وخمسمائة مملوك سلطان.

فلما وصلوا إلى البحيرة، تحاربوا مع العرب، فانكسروا أشدّ كسرة، وهربوا نحو الجبال، فاحتاط بهم العسكر، وقتل منهم جماعة كثيرة، أى من العرب، وغنموا منهم جمالا وخيلا وأغناما (٦)، وأسروا نساءهم.


(١) تلاقى: تلاقا.
(٢) يولوا: كذا فى الأصل.
(٣) لم يبق: لم يبقى.
(٤) ولكننى: ولا كننى.
(٥) موضعا: موضع.
(٦) جمالا وخيلا وأغناما: جمال وخيل وأغنام.