للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ثم إنّ أيدمر الفخرى، والى تروجة، حمل السلطان من هناك على جمل وأتى به إلى القاهرة، فغسّلوه وكفّنوه وصلّوا عليه، ودفنوه فى مدرسته التى أنشأها بالقرب من مشهد السيدة نفيسة، .

وأما الأمير بيدرا، فأخذت رأسه، وما بقى من جثّته، ودفن فى تربته التى أنشأها بالقرافه الصغرى.

وكان أول من أنشأ تربة بالقرافة الصغرى، الأمير يلبغا التركمانى، ثم صارت الأمراء تنشئ بها تربا وخوانق جليلة، ورغب الناس فى سكناها، وذلك فى دولة الناصر محمد بن قلاون فى مبتدأ سنة إحدى وسبعمائة.

وكان من باب القرافة إلى تربة بيدرا ميدان واحد، يتسابق (١) فيه الأمراء بالخيول، ويجتمع الناس هناك للتفرّج على السباق، وكان الشرط فى السباق، من تربة الأمير بيدرا إلى باب القرافة، انتهى ذلك.

وكان الأشرف خليل حسن الوجه، أبيض اللون، مستدير اللحية، ضخم الجسد، كبير الوجه، وكان مهابا فى أعين الناس، كفوا للسلطنة، عارفا بأحوال المملكة، وكان شجاعا بطلا، مقداما وقت القتال، خفيف الركاب، يحبّ الحركة والأسفار، وكان مسعود الحركات، ولو طال عمره، لفتح غالب بلاد العراق، ولا يعرف فى أبناء الملوك من يناظره فى شدّة العزم والشجاعة، وقوّة البأس.

وعلى هذا قد اتّفق أرباب التواريخ فى ترجمته؛ وكان يميل إلى شرب الراح، وحبّ الملاح، وكان حسن الفهم، يقظ (٢) الفكر.

وكان القاضى محيى الدين بن عبد الظاهر يقول: ما رأيت ولا سمعت بأحسن من فهم الملك الأشرف خليل، ولقد كنت أحضر بالمراسيم للعلامة، فما كان يعلّم على مرسوم قط، إلا وقرأه جميعه، ويفهم ما فيه، بل وكان يخرج علينا بأشياء كثيرة فى صنعة الإنشاء، ونرى فيها الصواب منه، ولقد تعاظم فى أمره، حتى صار يكتب فى


(١) يتسابق: تسابق.
(٢) يقظ: ياقظ.