للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وكل [من] تأخّر منهما يشنق من غير معاودة، فشقّ من القاهرة جماعة من الأمراء العثمانية وقدّامهم مشاعلى ينادى بالتركى، والآخر ينادى بالعربى، وذلك بعد الظهر. فلما بلغ العثمانية ذلك اضطربت أحوالهم وخرج غالبهم إلى نحو الشرقية، وقد التفّت عليهم المماليك الجراكسة وصاروا يرمون (١) بينهم وبين الأمراء العثمانية الذين بمصر الفتن، حتى يقع بينهم الشرّ، ويظهروا العصيان على ابن عثمان.

وفى يوم الاثنين سابع عشرينه وقع بالقاهرة بعض اضطراب، وسبب ذلك أن قد تقدّم القول على أن ملك الأمراء خاير بك نادى فى القاهرة، بأن الأنكشارية والأصبهانية من عسكر ابن عثمان، بأن يخرجوا يسافروا إلى الشام. فلما كان يوم الاثنين لم يخرج منهم أحد وأظهروا العصيان عن السفر، فرسم خاير بك للأمير قايتباى الدوادار بأن ينزل إليهم وكل من رآه منهم يقبض عليه، فنزل قايتباى من القلعة وهو فى كبكبة (٢) عظيمة من المماليك الجراكسة وهم بالرماح والسيوف، وقدّامهم رماة بالنفوط، فرجّت لهم القاهرة. فلما بلغ الأنكشارية ذلك خرج منهم نحو خمسمائة إنسان، ومعهم رماة بالبندق الرصاص، فتوجّهوا إلى نحو طرا وبساتين الوزير، فلم يتبعهم أحد من الأمراء ولا من العسكر. فاضطربت القاهرة فى ذلك اليوم ونقل التجّار بسوق جامع ابن طولون قماشهم من الدكاكين خوفا من النهب، وأشيع وقوع فتنة كبيرة بين العثمانية وبين ملك الأمراء خاير بك، ونقل غالب الناس قماشهم من البيوت إلى الحواصل، وقد تزايد الضرر الشامل من الأنكشارية فى هذه الأيام فى حق الناس، وصارت الأحوال غير صالحة.

وفى يوم الثلاثاء ثامن عشرين المحرم، دخل الحاج إلى القاهرة، ودخل المحمل الشريف، والقاضى علاى الدين ناظر الخاص أمير ركب المحمل، وقاضى قضاة المالكية محيى الدين بن الدميرى، وبقيّة الحجّاج، وأخبروا أنهم قاسوا فى هذه السنة مشقّة زائدة وشدايد عظيمة، من الغلاء وموت الجمال، وفساد العربان فى الطريق، وكثرة الأمطار والسيول، وقلّة العليق، ومشى غالب الحاج على أقدامه فى الرجعة.


(١) يرمون: يرموا.
(٢) كبكبة: كذا فى الأصل.