للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وتوجّه إلى إسطنبول جماعة من البنّائين والنجّارين والحدّادين والمرخّمين والمبلّطين والخرّاطين والمهندسين والحجّارين والفعلة جماعة كثيرة ما يحضرنى أسماؤهم (١) الآن. وزعموا أن الخندكار ابن عثمان يقصد أن ينشئ له مدرسة فى إسطنبول مثل مدرسة السلطان الغورى التى فى الشرابشيين (٢). وتوجه إلى إسطنبول جماعة من طائفة اليهود والسمرة، ومن طائفة النصارى: بانوب الكاتب فى الخزائن الشريفة وأبو سعيد، وأمين الدولة، ويوحنا الصغير، ويوسف بن هبول، وشيخ المكين السكندرى وولده، وآخرون من النصارى واليهود ما يحضرنى أسماؤهم.

فيقال إن مجمع من خرج من أهل مصر وتوجّه إلى إسطنبول دون آلاف إنسان، والله أعلم بحقيقة ذلك، وفيهم نسوان أيضا وأولادهم صغار رضّع، وشئ كبار، ولم تقاس (٣) أهل مصر شدّة من قديم الزمان أعظم من هذه الشدّة، ولا سمعت بمثلها فى التواريخ القديمة، وكان ذلك فى الكتاب مسطورا، ففارقت الناس أوطانها وأولادها وأهاليها وتغرّبوا من بلدهم إلى بلد لم يطؤوها قط، وخالطوا أقواما غير جنسهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. وكانت سنة مشومة على أناس، ومباركة على أناس، وسعدت فيها أناس، وتعست فيها أناس. وكانت سنة مباركة على المباشرين الذين (٤) بمصر، وصاروا هم الملوك يتصرّفون فى المملكة بما يختارونه من الأمور، ولا سيما ما فعلوه فى جهات الشرقية والغربية وجهات الصعيد، ووضعوا أيديهم على رزق الناس والإقطاعات، ثم استدرجوا إلى أخذ أموال الأوقاف، وصار ليس على يدهم يد يفعلون ما يشاءون من هذا النمط، فغنموا فى هذه السنة أموالا جزيلة من البلاد مما أخذوه من خراج الناس، فكان مجئ ابن عثمان إلى مصر رحمة فى حقّ المباشرين وغيرها من الناس ممن أودعوا عندهم الأمراء والعسكر الأموال والقماش وقتلوا فى الوقعة، فقعدوا على تلك الودائع، وراحت على من راح، فكان كما يقال فى المعنى: مصائب قوم عند قوم فوائد، انتهى ذلك.


(١) أسماؤهم: أسمايهم.
(٢) الشرابشيين: الشرابشين.
(٣) ولم تقاس: ولم تقاسى.
(٤) الذين: الذى.