للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فبايع السلطان أمير المؤمنين يعقوب نيابة عن ولده محمد المتوكل، وشهد عليه بذلك الشرفى يحيى بن البردينى، وجماعة من نواب القضاة، وحضر فى آخر المجلس قاضى القضاة الحنفى محمود بن الشحنة. [أقول: تسلطن الأشرف طومان باى وله من العمر نحو ثمانية وثلاثين سنة] (١). فلما تمّت له البيعة أحضروا له خلعة السلطنة، وهى الجبّة السوداء والعمامة السوداء والسيف البداوى، فأفيض عليه شعار الملك وتلقّب بالملك الأشرف مثل قرابته الغورى. ثم قدّموا له فرس النوبة بغير كنبوش ولا سرج ذهب، ولا وجدوا له فى الزردخاناه لا قبّة ولا طير ولا الغواشى الذهب، فركب من على سلم الحراقة التى بباب السلسلة، والخليفة قدّامه، فطلع من باب سر القصر الكبير، وجلس على كرسى المملكة، وقبّلوا له الأمراء الأرض، ودقّت له البشائر بالقلعة، ونودى باسمه فى القاهرة، وارتفعت له الأصوات بالدعاء، وفرح كل أحد من الناس بسلطنته، وكان محبّبا للعوام فإنه كان ليّن الجانب قليل الأذى غير متكبّر ولا متحبّر. فلما انتهى أمر المبايعة أخلع السلطان على أمير المؤمنين يعقوب ونزل إلى داره فى موكب حافل. وزالت دولة الغورى كأنها لم تكن، فسبحان من لا يزول ملكه ولا يتغير على طول المدى، وقد قال محمد بن قانصوه:

قد ذهب الغورى إلى ربّه … وذا الذى قدّره الله

والملك لله ومن شاء من … عباده للملك ولاّه

فلما كان وقت صلاة الجمعة فى ذلك اليوم خرج السلطان وصلّى صلاة الجمعة، وخطب به الشرفى يحيى بن البردينى، واستمرّ يخطب به فى كل جمعة، ثم إن الخطباء خطبوا باسمه فى ذلك اليوم على منابر مصر والقاهرة بعد ما كانت الخطباء لم يذكروا فى الخطبة اسم سلطان ولا يدعون (٢) له نحو خمسين يوما، بل كانوا يدعون للخليفة فقط. - وفى ذلك اليوم قبض السلطان على قانصوه الأشرفى نائب قلعة حلب، الذى سلّم القلعة إلى ابن عثمان من غير حرب ولا محاصرة، فلما حضر قانصوه هذا صحبة العسكر تغيّر خاطر السلطان عليه بسبب ذلك، فقبض عليه وأودعه فى البرج بالقلعة حتى يكون


(١) أقول … سنة: كتبها المؤلف فى الأصل على الهامش.
(٢) يدعون: يدعوا.