للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وعلّقت تنانير بها فناديل موقودة، وكانت تلك الليلة من الليالى المشهودة - أقول:

وكان أصل من بنى أساس هذه المدرسة الطواشى مختصّ الذى كان رأس نوبة السقاة فى دولة الظاهر قانصوه خال الملك الناصر محمد، فلما تسلطن قانصوه الغورى تغير خاطره على مختصّ فقبض عليه وصادره وقرّر عليه مالا له صورة فأعطاه هذه المدرسة من جملة ما قرّر عليه من المال وكان بنى منها بعض شئ، فلما ملكها الغورى هدم ما بناه مختص ثم أوسع فى بنائها وأخذ سوق الجملون وما حوله من الأسواق، وتناهى فى زخرفها ورخامها وبنائها فجاءت فى غاية الحسن والظرف والرونق بحيث لم يعمر فى عصرنا مثلها، ولكن شنّعت عليه الناس أن مصروف عمارة هذه المدرسة كان من وجوه المظالم ومصادرات الناس، وأخذ غالب رخامها من أماكن شتى بأبخس الأثمان، وأخرب قاعة شموال اليهودى الصيرفى وأخذ رخامها وأبوابها، وفعل مثل ذلك بعدّة قاعات، وقد سمّى بعض اللطفاء هذه المدرسة المسجد الحرام لما وقع فيها من غصوبة الأرض ومصروف العمارة من مال فيه شبهات، وقد شنّعوا الناس قبله على المؤيد شيخ لما بنى جامعه الذى بجوار باب زويلة أكثر ما شنّعوا على الملك الأشرف قانصوه الغورى، وأهل مصر ما يطاقون من ألسنتهم إذا أطلقوها فى حق الناس، فكان كما قيل:

ومن سوء حظّ المرء فى الدهر أنه … يلام على أفعاله وهو محسن

ثم إن السلطان رسم باستبدال قيسارية الأمير على التى تجاه جامعه وكانت جارية فى أوقاف المدرسة الناصرية التى بين القصرين، فلما استبدلها من الحكندار شخص يقال له بره (١)، هدمها وبنى مكانها القبّة والمدفن والصهريج والسبيل وغير ذلك [من] الأماكن التى استجدّها، وقد قلت فى معنى ذلك:

بنى الأشرف الغورىّ للناس جامعا … فضاع ثواب الله فيه لطالبه

كمثل حمام جمّعت فى شباكها … متى ألق عنها طار كلّ لصاحبه


(١) بره: كذا فى الأصل.