للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فعند ذلك أشار الوزير شاور على الخليفة، بحرق مدينة الفسطاط، خوفا من الفرنج أن يملكوها (١)، فأذن لهم فى حرقها؛ فجمع الوزير طائفة من العبيد وأحرقوها، فأقامت النار عمّالة فيها نحو شهرين، فكان يرى دخاتها من مسيرة ثلاثة أيام.

وكانت مدينة الفسطاط من أجلّ المدائن، أنشأها عمرو بن العاص، ، بعد فتح مصر سنة اثنتين وعشرين من الهجرة؛ وكان أولها من عند الرصد، وآخرها عند حدرة ابن قميحة، وهى أقدم من القاهرة، وكان بها عدّة مساجد محكمة البناء، وعدّة حوانيت، وحمامات، ومعاصر، والمساكن الجليلة، وإلى الآن يوجد فى كيمانها العمد الرخام؛ فلما حرقت مدينة الفسطاط، تحوّل الناس إلى القاهرة، فبلغ كرى الجمل من الفسطاط إلى القاهرة عشرة دنانير فى كل نقلة.

فلما جرى ذلك، أرسل الخليفة العاضد يستجير بنور الدين الشهيد، صاحب دمشق، وبعث إليه بشعور نسائه وبناته، وهو يقول له: «أدركنى واستنقذ نسائى من أيدى الفرنج»، والتزم له بثلث خراج مصر، وأن يكون أسد الدين شيركوه مقيما عنده بمصر؛ فأرسل نور الدين الشهيد، أسد الدين عمّ صلاح الدين، ومعهما العساكر، فلما دخلوا مصر، خاف منهما الفرنج، ورحلوا إلى بلادهم.

فلما دخل أسد الدين إلى مصر، شنق الوزير شاور، فإنّه كان سببا لدخول الفرنج إلى مصر، وكان يكاتبهم فى الباطن على الدخول إلى مصر، كما فعل ابن العلقمى مع هولاكو أيام المستعصم بالله؛ وكانت قتلة شاور فى ربيع الآخر سنة أربع وستين وخمسمائة، وفيه يقول عرقلة:

هنيئا لمصر حوز يوسف ملكها … بأمر من الرحمن قد كان موقوتا

وما كان فيها قتل يوسف شاورا … يماثل إلا قتل داود جالوتا

فلما قتل شاور، أخلع العاضد على أسد الدين شيركوه، واستقرّ به وزيرا، عوضا عن شاور، ولقّبه بالمنصور، فلم يقم فى الوزارة سوى شهرين وخمسة أيام، ومات فجأة، فى ثالث جمادى الآخرة من تلك السنة.


(١) أن يملكوها: أن لا يملكوها.