ومن غريب الاتّفاق أنّ الخليفة المعزّ لما قدم مصر، قال لبعض العلماء:«اكتب لنا ألقابا تصلح للخلافة، فإذا تولّى أحد منا تلقّب بها»، فكتب لهم ألقابا كثيرة، آخرها العاضد بالله، فاتّفق أنّ آخر من تولّى منهم، تلقّب بالعاضد بالله، وبه انقرضت دولتهم.
وكان القائم بتدبير مملكته الوزير الصالح طلائع بن رزيك، فأقام فى الوزارة، إلى أن قتله جماعة من العبيد الزنج، وكانت قتلته فى رمضان سنة ست وخمسين وخمسمائة؛ فلما قتل طلائع بن رزيك، تولّى عوضه فى الوزارة شاور بن مجير أبو شجاع السعدى، وهو آخر من تولّى من الوزراء الرافضة، وقتل أيضا؛ فلما أخلع عليه، قال فيه بعض الشعراء:
إذا أبصرت فى خلع وزيرا … فقل أبشر بقاصمة الظهور
بأيام طوال فى عناء … وأيام قصار فى سرور
وفى سنة ست وخمسين وخمسمائة أيضا، توفّى الشيخ محمود بن إسمعيل بن قادوس، كاتب الإنشاء بالديار المصرية، وهو شيخ القاضى الفاضل عبد الرحيم، وكان يسمّيه ذا البلاغتين، وكان له شعر جيّد، فمن ذلك قوله:
زارنى فى الدجا فتمّ عليه … طيب أزدانه لذى الرقباء
والثريا كأنّها كفّ خود … برزت من غلالة زرقاء
ومن الحوادث العظيمة التى لم يقع قطّ مثلها بالديار المصرية، أنّ فى سنة أربع وستين وخمسمائة، جاءت الأخبار بأنّ الفرنج جاءت إلى ثغر دمياط فى سبعين مركبا، وكان ملك الفرنج يسمّى مرى، فملكوا ثغر دمياط، ونهبوا أسواقها، وقتلوا أهلها؛ ثم زحفوا على الضياع، وأكثروا فيها القتل والسبى؛ ثم وصلوا إلى بلبيس، وكسروا عساكر الفسطاط، ودخلوا القاهرة من خلف السور من عند البرقية؛ ثم توجّهوا إلى بركة الحبش، وصاروا يقتلون (١) من وجدوه من المسلمين، وقرّروا على أهل مصر والقاهرة أموالا جزيلة، وأخذوا فى أسباب جبايتها.