للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فلما كان وقت صلاة الجمعة من ذلك اليوم خطب باسم الظاهر على المنابر، وجاء فى حال سلطنته ماشيا فيها على الوضع، وانصلحت الأحوال فى أيامه على قدر ما، كان جلبا (١)، فتولّى الملك وله من العمر دون الثلاثين سنة، وكان له عقل وافر، وثبات جنان، والذى وقع له لم يقع لأحد من مبتدأ دولة الأتراك وإلى هلم، فإنه كان من دخوله إلى مصر، وإقامته فى الطبقة، وحضوره من بلاد جركس، وأمريته (٢)، وسلطنته، دون الست سنين، وهذا لم يتّفق لأحد من الأتراك قبله، وكان من جملة الجمدارية، فقرّر فى أمرة أربعين وشادية الشرابخاناه دفعة واحدة، وكان له سعد خارق من العناية الأزلية فى القدم، كما يقال:

إذا خصّص الرحمن عبدا بنعمة … فكل حسود بعد ذلك مقمع

فيا طالب العلياء مهلا ولا تطل … فليس بسعى المرء ما شاء يصنع

وفى حال سلطنته حضر سيف كرتباى الأحمر نائب الشام، وقد مات الملك الناصر بحسرة أن يسمع بذكر موته، ويقال إن الناصر راشا (٣) على قتل كرتباى الأحمر بألف دينار، قيل إن بعض غلمان كرتباى سمّه فى زيق الكوفية، فلما لبسها وعرق سرى السم فيه، فورم وجهه ووصل الورم إلى قلبه فمات، وقد تمّت حيلة الناصر عليه؛ وكان كرتباى أميرا جليلا رئيسا، وكان يحجّر على الناصر وينهاه عن هذه الأفعال الشنيعة، فكرهه بواسطة ذلك، وكان يلصق أوراقا بقاعة البحرة بهيئة كرتباى الأحمر وهو مسمّر على جمل والناس تنشبه (٤)؛ وكان كرتباى يصرّح فى وسط مجلسه بالشام ويقول: أنا من تحت حكم صبى وامرأة؛ يعنى عن الناصر وأمّه، ولما استقر كرتباى فى نيابة الشام ملك قلعتها، وطرد نائبها، ووقع منه أمور فى حق الناصر يطول شرحها.

وفى ذلك اليوم ثار جماعة من المماليك الجلبان على ناصر الدين الصفدى وكيل


(١) كان جلبا، يعنى كان من المماليك الجلبان.
(٢) وأمريته: كذا فى ف، وفى الأصل: امرأته.
(٣) راشا، من الرشوة.
(٤) تنشبه: كذا فى الأصل، وفى ف: تنتشه.