للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ولم يكن معه سوى أولاد عمّه: جانم وأخيه جانى بك، وجماعة من الخاصكية، ولم يتوجّه معه أحد من الأمراء، حتى ولا خاله، فأرسل أحضر أبو الخير بعدّة خيال الظلّ، وجوق مغانى العرب، وبريّوه ريس المحبّظين، وأقام هناك ثلاثة أيام وهو فى أرغد عيش، وقد خرج عن الحدّ فى اللهو والخلاعة والانشراح، ومدّ هناك أسمطة حافلة، وحلوى وفاكهة وغير ذلك، وأنعم على جماعة من الخاصكية بخيول ومال، وانشرح فى تلك الأيام بخلاف العادة، وتلاعبت به الدنيا كما تلاعبت بأمثاله، فكان كما يقال فى المعنى:

تزوّد من الدنيا فإنك لا تدرى … إذا جنّ ليلك هل تعيش إلى الفجر

فكم من صحيح مات من غير علّة … وكم من عليل عاش حينا من الدهر

وكم من فتى يمسى ويصبح آمنا … وقد نسجت أكفانه وهو لا يدرى

فلما كان يوم الأربعاء خامس عشره أدركت السلطان تفرقة الجامكية، فأذن للخاصكية الذين (١) كانوا معه أن يتقدّموا (٢) قبله كى لا يزاحمونه وقت التعدية، فتقدّم جماعة منهم إلى بيوتهم، فصلّى السلطان العصر وركب، ولم يبق معه سوى أولاد عمّه وبعض سلحدارية، فلما ركب مرّ من على الطالبية، وكان الأمير طومان باى الدوادار الثانى هناك يقصد التوجّه إلى البحيرة كما تقدّم ذكر ذلك، فلما مرّ من عليه خرج طومان باى مسرعا وعزم عليه، فلم ينزل عنده، فخرج إليه بجفنة فيها لبن فاخر، فوقف السلطان وهو راكب على فرسه، فقدّموا له الجفنة اللبن وملعقة (٣)، فمدّ يده إلى الجفنة وأكل من اللبن، فبينما هو يأكل والأمير طومان باى ماسك لجام فرسه، فلم يشعر إلا وقد خرج عليه كمين من الخيام التى هناك نحو من خمسين مملوكا، وهم لا بسون آلة السلاح، فاحتاطوا به وعاجلوه بالحسام قبل الكلام، فقتلوه أشرّ قتلة، وحملوا عليه أى حملة، فجاءت ضربة على رقبته طارت عن جثّته، فوقع عن فرسه إلى الأرض، وقتلوا معه أولاد عمّه: جانم وأخيه


(١) الذين: الذى.
(٢) أن يتقدموا: أن يتقدمون.
(٣) وملعقة: ومعلقة.