للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فاستمرّوا صابرين حتى مضى عيد النحر، وانقضى أمر تفرقة الأضحية، فلبسوا لامة الحرب وطلعوا إلى الرملة، وحاصروا السلطان وهو بالقلعة، وكان قانصوه خاله عنده فوق القلعة، ثم توجّهوا إلى بيت الأتابكى أزبك فأركبوه غصبا وطلعوا به إلى القلعة، فتكلم مع السلطان فى ذلك، فتمنّع ساعة، ثم وقع الاتفاق على أنه ينفق عليهم بعد مضى شهر لكل مملوك خمسين دينارا، فلما نزل الأتابكى أزبك من القلعة وردّ عليهم الجواب، خمدت تلك الفتنة وقلعوا آلة السلاح.

ثم إن السلطان أخذ فى أسباب جمع الأموال، فوزّع على المباشرين جانبا، وعلى قضاة القضاة جانبا، وعلى أعيان الناس من التجار وأولاد الناس وغير ذلك، حتى على اليهود قاطبة والنصارى، ومشاهير السوقة والمتسبّبين، وكان القائم فى ذلك قانصوه خال السلطان وأعوانه، وهم: ناصر الدين الصفدى وكيل بيت المال، وإبراهيم المهاجرى إمام الأمير قانصوه المشار إليه، وقانبك دواداره، فجلس قانصوه خال السلطان فى داره التى عند درب حمّام الفارقانى وأحضر المعاصير والكسارات، وأحمى خوذ حديد على النار، وطلب الناس بالرسل الغلاظ الشداد.

فأما قاضى القضاة المالكى ابن تقى اختفى من بيته، وكذلك قاضى القضاة الحنبلى الشهاب الشيشينى؛ وطلب القاضى شهاب الدين أحمد ناظر الجيش، فامتنع مما قرّر عليه، فبطح على الأرض ليضرب، وكذلك ناظر الخاص علاى الدين ابن الصابونى، وعلى هذا فقس بقيّة الناس من الأعيان والمشاهير؛ فجمعت تلك الأموال من الناس بالضرب والحبس والتراسيم، وحصل لهم غاية المشقة بسبب ذلك، فكثر الدعاء على الناصر وخاله، وقد تزايد الظلم والجور فى تلك الأيام إلى الغاية، حتى فرج الله تعالى عن قريب وقتل الملك الناصر بعد مضى ثلاثة أشهر، كما سيأتى الكلام على ذلك فى موضعه، ولكن كما قال القائل:

وماذا ينفع الدرياق يوما … إذا وافى وقد مات اللديغ

ولما تكامل جمع الأموال ابتدأ السلطان بتفرقة النفقة على الجند، فأعطى لطائفة المماليك القايتبيهية لكل واحد خمسين دينارا، وما عدا ذلك خمسة وعشرين دينارا.