ومن أخبار الملك الناصر التى هى فى غاية البشاعة، قيل إنه دخل إلى حارة الروم، وهجم على دار إبراهيم مستوفى ديوان الخاص ليلا، وقبض على ولده أبى البقا ورام توسيطه، فألقى والده نفسه عليه وافتداه بألف دينار؛ وقيل كان سبب ذلك أن الملك الناصر بلغه أن زوجة أبى البقا جميلة، فهجم عليه بسببها فأخفوها منه، فجرى بسبب ذلك ما جرى، وهذا ما استفاض فى الكلام بين الناس، والله أعلم.
وفى هذه السنة جاءت الأخبار من بلاد المغرب بأن المسلمين أخذوا حصن جربة من يدى الفرنج، وكانوا قد استولوا عليها نحوا من سنة وشئ، فكانت النصرة للمغاربة على الفرنج. - وفى هذه السنة كثرت الفلوس الجدد بأيدى الناس، حتى صار النصف الفضة يصرف بأربعة عشر من الفلوس الجدد، وصار الدينار الذهب يصرف من الفلوس الجدد بثلاثين نصفا، وصارت البضائع تباع بسعرين، سعر بالفضة، وسعر بالفلوس، وأضرّ ذلك بحال الناس.
وفيه تزوّج قانى باى قرا أمير آخور كبير، ببنت الأمير يشبك الدوادار، التى كانت زوجة كرتباى بن عمّة الأشرف قايتباى، الذى قتل فى واقعة آقبردى بمدرسة السلطان حسن. - وفيه خرج نوروز أخوخ، أحد الأمراء العشرات، قاصدا إلى كرتباى الأحمر نائب الشام، وعلى يده مراسيم بالعقب عليه، الذى قد استولى على نيابة قلعة الشام من غير إذن من السلطان، فتوجّه إليه وعاد بعد مدّة بغير طائل منه. - وفيه توفى آقباى أستادار الذخيرة، وكان لا بأس به. - وجاءت الأخبار من مكة بوفاة أنصباى، الذى كان نائب الإسكندرية، واتّهم بموته كاتب السر لما توجّه إلى هناك.
وقد خرجت هذه السنة عن الناس وهم فى أمر مريب، وقد وقع بها الغلاء والفناء، والمصادرات للناس، وجور السلطان فى حق الناس، كما تقدّم، وأذى المماليك فى حقّ الرعية، وقد صارت الناس فى غاية الاضطراب؛ وما كفى هدا كله، حتى فشى فى الناس داء يقال له الحبّ الفرنجى، أعاذنا الله منه، وقد أعيى الأطباء أمره ولم يظهر هذا بمصر قط، سوى فى أوائل هذا القرن، ومات به من الناس ما لا يحصى، انتهى ذلك.