للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وأشيع بأن السلطان يفرض على الجماجم من ذكر وأنثى من كبير وصغير على كل رأس دينارين ذهب، وتكلموا من هذا النمط بأشياء كثيرة.

ثم بعد أيام رسم السلطان لتغرى بردى الأستادار بأن يكون متكلما على جباية الأملاك، من باب زويلة إلى دير الطين، ورسم لعلاى الدين بن الصابونى ناظر الخاص بأن يكون متكلما فى جباية الأملاك، من باب زويلة إلى خارج الحسينة؛ فعند ذلك اضطربت الأحوال وتزايدت الأهوال، وتوجّهوا الرسل الغلاظ الشداد، ولم يرعوا الوداد، وطلبوا أعيان الناس، وانقطع الرجاء باليأس، وصار الإنسان يخرج من داره، فيرى أربعة من الرسل فى استنظاره، فيكون نهاره أغبر، ويخرج وهو فى أذياله يتعثّر، فيقدحون (١) فيه الزناد، ولا يرى له من اعتماد، وقد قال بعض الموالة فى المعنى:

غرمت شهرين عن أجرة مكانى أمس … وأصبحت مغموس فى بحر المغارم غمس

أقسم وربّ الخلايق والقمر والشمس … ما طقت شهرين كيف أقدر أطيق الخمس

وقد جرى فى هذه الواقعة أمور عجيبة وحكايات غريبة، فمن ذلك ما قيل أن بعض الرسل توجّه إلى نحو الحسينة، فأتى إلى امرأة ساكنة فى حوش، ولم يجد عندها شيئا من متاع الدنيا، فطالبها ذلك الرسول بأجرة الحوش التى هى ساكنة فيه، فجاء عليها من الأجرة عشرين نصفا عن مدّة خمسة أشهر، فلم تجد شيئا تعطيه للرسول، فأغلظ عليها وخرج منه الحدّ، فلما رأت منه ذلك كان عندها شجرة نبق فى الحوش، فقالت له: اقطع هذه الشجرة وبعها وخذ ثمنها فى نظير ما جاء علىّ، فأحضر بالقطاعين وقطع تلك السدرة وحملها ومضى، وقد حصل للمرأة غاية الضرر لقطع شجرتها التى كانت تستظلّ تحتها فى أيام الصيف؛ وكانت هذه الحادثة من أشنع الحوادث فى دولة الأشرف قايتباى، وياليته أصرف هذا المال فى شئ عاد نفعه على الناس، ولكن أصرفه فى غير مستحقّه وضاع فى البطال ولم ينتفع به، كما سيأتى الكلام على ذلك فى موضعه.


(١) فيقدحون: فيقدحوا.