للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فأصرف عليها السلطان نحوا من خمسة آلاف دينار بسبب ترميمها، فجاءت من أحسن المبانى، وبنى هناك رصيفا به نفع للمسافرين فى أيام النيل، وبنى هناك لنفسه منظرة وغيظا على بركة هناك، فجاء ذلك غاية فى الحسن من أجلّ المتنزّهات، وهو باق إلى الآن.

ومن الحوادث المهولة أن فى أثناء هذا الشهر توجّه السلطان إلى قبّة يشبك الدوادار، التى هى فى رأس دور الحسينة، فجلس هناك وأرسل خلف القضاة الأربعة، فحضر القاضى الشافعى زين الدين زكريا، والقاضى الحنفى ناصر الدين بن الإخميمى، والقاضى المالكى عبد الغنى بن تقى، والقاضى الحنبلى بدر الدين محمد السعدى، فلما تكامل المجلس شرع السلطان فى التكلم معهم، فذكر لهم بأن ابن عثمان ليس براجع عن محاربة عسكر مصر، وأن أحوال البلاد الحلبية قد فسدت وآلت إلى الخراب، وأن التجار منعوا مما كان يجلب إلى مصر من الأصناف، وأن المماليك الجلبان يرومون منى نفقة، وإن لم أنفق عليهم شيئا فينهبون مصر والقاهرة ويحرقون البيوت، ومتى رجع عسكر ابن عثمان إلى البلاد الحلبية فما يخرج العسكر من مصر حتى أنفق عليهم، ثم شرع يقسم بالله تعالى أن ليس بقى فى الخزائن من المال لا كثيرا ولا قليلا، وأن القصد بأن أفرض على الأوقاف والأملاك التى بمصر والقاهرة، من أماكن وغيطان وحمامات وطواحين ومراكب وغير ذلك، أجرة سنة كاملة، أنعان (١) بها على خروج التجريدة.

فسكت المجلس ساعة، ثم قال القاضى الشافعى: لعل الله تعالى يكفيكم مؤنة ذلك، وقال القاضى المالكى: إن أجرة سنة كاملة يثقل على الناس ولا يطيقون ذلك، وإن كان ولا بد من ذلك فليفرض عليهم أجرة خمسة أشهر، وقبل ذلك أفرض عليهم أجرة شهرين، فهذه سبعة أشهر، وما يطيق الحال أكثر من ذلك؛ فتوقّف السلطان ساعة، ثم آل الأمر إلى ما قاله قاضى القضاة المالكى، وانفضّ المجلس على ذلك؛ فلما بلغ الناس ما وقع اضطربت الأحوال وكثر القيل والقال فى ذلك،


(١) أنعان: كذا فى الأصل، ويعنى أنه يستعين بها.