فلما قرأ تلك الرقعة، غضب على أهل مصر، وأمر العبيد بأن يحرقوا المدينة جميعها، فأطلقوا فيها النار، ونهبوا بيوت الناس، وأخذوا أموالهم، وسبوا النساء.
واستمرّ هذا الأمر الشنيع بمصر والقاهرة ثلاثة أيام متوالية، فضجّ الناس إليه، واستغاثوا به، وطلع إليه العلماء والصلحاء، يشفعون فى الناس، فعفى عنهم، بعد ما احترق من المدينة نحو ثلثها، ونهبت أموال الناس، وسبيت النساء، وقتل من الناس ما لا يحصى، وكانت هذه الواقعة من أعظم المصائب بمصر.
واستمرّ الحاكم على ما ذكرناه من هذه الأفعال الشنيعة، ومخالفته للشريعة، حتى قتل؛ وكان سبب قتله، أنّ أخته ست النصر، لما زاد أخوها من هذه الأفعال الشنيعة، أراد قتلها لأمر بلغه عنها، وكانت من النساء المدبّرات، فخرجت تحت الليل فى الخفية، وأتت إلى دار الأمير سيف الدين بن دواس، وكان أكبر أمراء الحاكم، فلما دخلت عليه، اختلت به، وعرّفته أنّها أخت الحاكم، فبالغ فى تعظيمها.
فقالت له:«أنت تعلم ما قد فعله أخى بالرعيّة من هذه الأفعال الشنيعة، وقد عوّل على قتلى وقتلك، وإذا عوّل على شئ فعله»، فقال لها:«وما الرأى فى ذلك»؟ قالت:«تقتله»، قال:«وكيف أقتله»؟ قالت: «اندب إليه جماعة من العبيد يقتلونه إذا خرج إلى حلوان، فإنه ينفرد فى ذلك المكان بنفسه، فيخرجوا (١) عليه ويقتلوه هناك، وتكون أنت المدبّر للمملكة بعده، وتولّى ابنه الأمير على»، فاتّفقا على ذلك، ثم مضت إلى قصرها.
فلما أصبح الصباح، خرج الحاكم على عادته إلى حلوان، وكان مشغوفا بحبّ