للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فرعون، فكان يحسّن لجماعة من عوام (١) مصر الجهلة، فكان إذا مرّ فى الطرقات يسجدون له، ويقولون: «يا محيى، يا مميت»، ومن لم يفعل ذلك ضرب عنقه.

وكان يدّعى أنّه يعلم علم الغيب، فكان يقول لأمرائه ووزرائه: «يا فلان، أنت فعلت فى بيتك الليلة، ما هو كيت وكيت»، وكان ذلك باتّفاق يعتمده مع العجائز، اللاتى (٢) يدخلن إلى بيوت الأمراء والوزراء، وغير ذلك من أعيان الناس؛ فلما تزايد هذا الأمر منه، كتب له بعض الناس رقعة، ولصقها بالمنبر فى مكان يقعد فيه، وكتب فيها هذين البيتين، وهما:

بالجور والظلم قد رضينا … وليس بالكفر والحماقة

إن كنت أوتيت علم غيب … بيّن لنا كاتب البطاقة

فلما قرأ تلك الرقعة، سكت عن الكلام فى أمر ما كان يدّعيه فى علم المغيبات.

قيل: إنّ بعض العلماء أثبت لهؤلاء (٣) الفاطميين نسبا فاسدا، بأنهم من ولد فاطمة بنت رسول الله، ، وهذا النسب ليس بصحيح، وإنما هم من ولد ديصان بن سعيد، وكان أصله مجوسيّا، وقد وافق على ذلك جماعة من العلماء، منهم الشيخ أبى حامد الإسفرايينى، والشيخ أبى الحسن القدورى، وغير ذلك من العلماء.

فكان الحاكم يذكر نسبه فى كل جمعة على المنبر، ويقول: «نحن أفضل من خلفاء بنى العبّاس، لأنّنا من ولد فاطمة بنت رسول الله، ».

فكانت الناس ترفع إليه الرقاع فى أشغالهم، وهو على المنبر يخطب، فرفعت إليه رقعة فيها هذه الأبيات:

إنّا سمعنا نسبا منكرا … يتلى على المنبر فى الجامع

إن كنت فيما قتله صادقا … فانسب لنا نفسك كالطائع


(١) عوام: أعوام.
(٢) اللاتى: التى.
(٣) لهؤلاء: لهذه.