تكشّفت عن محيّا مصر أستار … وخفّ عنها من الأثقال أوزار
واهتزّت الأرض منها بهجة وربت … ولاح فيها إضاءة وأنوار
كانت كصبح تعالت فوقه ظلم … شتى ففاجأها بالنور أسفار
كانت كشمس تغاشاها الغمام ضحى … فمزّقته من الأرياح أعصار
فاليوم أعطافها بالبشر مايسة … وقدّها فى حلّى السعد خطّار
وكانت الطرق قد شابت مفارقها … والشيب إن شان ما فى أخذه عار
وأصبحت أوجه الأرضين مسفرة … وزال عنهن إقتار وأقذار
تتيه زهوا على الأمصار قاطبة … وبازها بجناح النسر طيّار
ألا تراها اكتست حلى البياض … ولولا ذاك ما اتّضحت للناس أقطار
كأنها روضة بالقطر قد غديت … وزانها من وجوه البيض أزهار
فالبعض منها يهنّى البعض منه على … كشف الغموم وللإعسار إيسار
فبعض أبوابها بالنصر مشتهر … وبعضها لفتوح الرزق مختار
وللسعادة باب عنده فرج … كلاهما لأخيه فى الهنا جار
وأما زويلة زالت عنه كربته … وللدخول به كم دقّ مسمار
دقّت مساميره طاراتها فرحا … وفيه للريح تشبيب ومزمار
حيّت شوارعه للناس فاتسعت … واستشرقت منه أسواق وأسوار
كانت حوانيته تشكو الثيوبة من … وطى الحوافر وهى اليوم أبكار
وخرق عادة باب الخرق يرفعه … من العناية بنّاء ونجّار
واليوم ساكنه فى جنّة وجرت … من تحتها لأولى الأبصار أنهار
والقوس من بابها جنّت لجاذبها … طوعا وأصمّت من الأعداء أوتار
وباب قنطرة والبحر فى عجب … من باب شعرية لم تحو إيزار
وأما الجوامع قد فكّت جوامعها … عنها ففيها تسابيح وأذكار
فجامع الصالح استوفى مصالحة … حتى كأنّ العشايا فيه أبكار
لما شكا الناس من مصر مضايقها … وحار فيها من الحكّام أفكار