للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ثم إن شخصا من الناس عمد إلى سراب حمّام كانت هناك، وفتح له بجمون من الخليج الناصرى، فجرى فيه الماء فى أيام زيادة النيل، فلا زال يجريه حتى أوصله بأرض الأزبكية، فصار يدخل إليها الماء فى آخر الزيادة ويروى بها بعض أراضيها وتزرع البرسيم والشعير.

واستمرّت على ذلك مدة إلى سنة ثمانين وثمانمائة، فى دولة الملك الأشرف قايتباى، فحسن ببال الأتابكى أزبك أن يعمّر هناك مناخا لجماله، وكان ساكنا بالقرب من هذه البقعة، فلما أن عمّر المناخ حلاله هناك العمارة، فبنى القاعات الجليلة، ثم الدوّار والمقعد والمبيتات والحواصل وغير ذلك، ثم إنه أحضر أبقار ومحاريث وجرف الكيمان التى كانت هناك ومهّدها، ثم حفر بها هذه البركة الموجودة الآن، وأجرى إليها الماء من الخليج الناصرى، ووجدّد عمارة قنطرة خليج الذكر التى كانت قديمة، ثم بنى على هذه البركة رصيفا محتاطا بها، وتعب فى ذلك تعبا عظيما حتى تمّ له ما أراد من ذلك، فكان فى قوة الحرّ يدور خلف المحاريث فى الكيمان وغيرها، وأصرف على ذلك ما لا له صورة ما يزيد على مائتى ألف دينار، وكان ذلك فى غير طاعة الله تعالى ولا به نفع للمسلمين.

ثم شرعت الناس تبنى على هذه البركة القصور الفاخرة والأماكن الجليلة، ولا زالت تتزايد فى العمارة إلى سنة إحدى وتسعمائة، وقد رغب الكثير من الناس فى سكنى الأزبكية، وصارت مدينة على انفرادها، ثم أنشأ بها الجامع الكبير وجعل به خطبة، وأنشأ به المئذنة العظيمة، وجاء غاية فى الحسن والتزخرف والبناء، وفيه يقول الشيخ شمس الدين القادرى:

بنى جامعا لله يلتمس الرضى … به ونجاة من أليم عقابه

وفكّر فى الحشر الذى عقباته … طوال يهول المرء قطع عقابه

فاكرم به من جامع من ثوى به … فلم يخل منشيه إذا من ثوابه

فيا فوز عبد مؤمن قد جنى به … ثمار أجور من رياض جنابه

عظيم أجور لا ينوب منابه … سواه لأجر نال كل المنا به