ثم أنشأ حول هذا الجامع الربوع والحمامات والقياصر والطواحين والأفران وغير ذلك من المنافع، وسكن فى تلك القصور وتمتّع بها مدة طويلة، حتى مات وبقى له تذكار بالأزبكية، وفيه يقول شمس الدين القادرى:
لأزبك مولانا المقرّ عمارة … بها السعد يسمو للنجوم الشوابك
بمملكة الإسلام لم أر مثلها … ولا الناس طرا فى جميع الممالك
بها جامع للحسن أصبح جامعا … تقرّ به العينان من كل ناسك
به شرّفت تلك العمارة واغتدت … مكرّمة عند الملا والملايك
إذا قال قوم من أتى بك للعلا … تقول لهم سعد الأمير الأتابكى
وكان يوم فتح سدّ هذه البركة تجتمع عنده الأمراء المقدّمون بالقصر، وتأتى الناس أفواجا للفرجة، ويكون لها يوم مشهود، وكان يصنع بها فى كل سنة وقدة حفلة، وتحرق بها حراقة نفط، وتدخل إليها المراكب قاطبة، ويكون لها ليلة حافلة لم يسمع بمثلها، وتنفق بها فى تلك الليلة أموال جمّة بسبب الفرجة بها، وتضرب حول البركة عدّة خيام، ويقع بها من القصف والفرجة أشياء غريبة، وتكون ليلة حافلة؛ وقد ألّف فى هذه الأزبكية شيخنا الشيخ شمس الدين القادرى مقامة لطيفة، كلها غرر، تشتمل على نثر ونظم، وقد أوردتها بالتمام والكمال فى كتابى «نزهة الأمم فى العجائب والحكم» انتهى ذلك؛ ولما كملت عمارة الأزبكية ودخل الماء إلى بركتها أنعم السلطان قايتباى على الأتابكى أزبك بأرضها، وكتب له بذلك مربّعة شريفة، وكانت أرض الأزبكية وقفا على خزائن السلاح.
[وفى هذه السنة توفى الشيخ نور الدين على بن برد بك الحنفى، وكان عالما فاضلا بارعا فى نظمه، وله نظم جيد، فمن ذلك قوله:
نعمان خدّ حبيبى … قد جاءه الخال يسعى
فورّث الخال حسنا … وقال بالإرث شرعا] (١)
(١) وفى - شرعا: كتبت فى الأصل على هامش صفحة ١٦٤ ب.