فلما عاد هذا الجواب على السلطان أخذ القاضى كاتب السرّ ابن مزهر يسعى للسعدى فى أن يلى القضاء، وكان يومئذ من هو فى الحنابلة أفضل من السعدى، ولكن الحظوظ تختلف؛ فلما كان ختم البخارى فى رمضان أحضر السلطان خلعة وأخلع على بدر الدين السعدى، واستقرّ به قاضى قضاة الحنابلة بمصر، عوضا عن القاضى عز الدين بحكم وفاته، فنزل من القلعة فى موكب حافل جدا، وقد استكثر غالب الناس على السعدى ذلك، وكان شابا لم يظهر بلحيته البياض، وقد داعبه بعض شعراء العصر بهذه المداعبة اللطيفة، وهو قوله:
[قاضيكموا ما مثله فى حكمه … عفيف ذيل ليس يدعى زانيا
قد ساس أمر الناس فى أحكامه … فلم نر أسوس منه قاضيا] (١)
وفيه يقول القائل:
حضرت فى الدرس على قاض … نصّ على التقليد فى درسه
فيحسن البحث على وجهه … ويوجب الدخل على نفسه
وفيه خرج السلطان إلى الرماية ببركة الخب، وكان معه الأتابكى أزبك وبقية الأمراء، فتوجّه إلى هناك، ثم عاد إلى القلعة، وشقّ من القاهرة فى موكب حافل، وكان له يوم مشهود، وصاد فى ذلك اليوم ثلاثة كراكى وبلشون.
وفى جمادى الآخرة قدم قاصد من عند صاحب بلاد الهند الملك غياث الدين، وأحضر على يده هدية إلى السلطان، وإلى الخليفة المستنجد بالله يوسف، وأرسل يطلب منه تقليدا بولايته على إقليم الهند، عوضا عمن كان قبله من ملوك الهند، فأكرمه السلطان وأخلع عليه، وكتب له الخليفة تقليدا بما ساءل. - وفيه وصل قاصد من عند الأمير يشبك الدوادار، وعلى يده مكاتبة من عند يشبك، يذكر فيها أنه وقع بينه وبين عسكر سوار واقعة مهولة على نهر جيحون، وجرح فيها الأمير تمراز الشمسى فى يده بسهم نشاب، فأغمى عليه حتى حمل ورجع إلى الوطاق،
(١) قاضيكموا … قاضيا: البيتان كتبا فى الأصل ثم شطا.